سقاء في الليل وكاتب في النهار
بقلم : محمد صادق دياب
ما أكثر الليالي التي أهم فيها بالكتابة فيأتيني صوت الأسرة محتجا:
ـ ماذا ستكتب وقنوات الماء في بيتك تصفر فيها الرياح؟!
فأتحول من كاتب إلى سقاء، أقف في طابور توزيع الماء في مدينتي لكي أعود إلى الأسرة مظفرا بعد عناء، أجر خلفي عربة نقل الماء لأنثر الحياة من جديد في شرايين البيت، فتهدأ ثائرة سكانه، وتغتسل الوجوه من التوتر والقلق والاكتئاب، وتعود محتفية بالمساء.
في مركز توزيع الماء في مدينتي تعرفت على سائقي حاويات الماء، وحراس الأمن، ووجوه كثيرة من الأصدقاء الذين فرقتهم الحياة ليجمعنا البحث عن الماء..
في طابور الانتظار تنبت الحكايات، وتزدهر الضحكات باعتبارها شر البلية..
في انتظار الماء تفوح روائح الأجساد التي لم تغتسل بعد، وتتفجر المسامات بالعرق، ويغدو الصبر سيد اللحظات العصيبة..
حينما أصل إلى أول الطابور أتأمل عربة نقل الماء القادمة من بعيد، وهي تتمخطر مختالة في الدرب، حالها كحال حبيبة الأعشى التي يصف مشيتها بقوله:
«كأن مشيتها من بيت جارتها
مشي السحابة لا ريث ولا عجل»
هل جربت قط أن تقرأ واقفا في الزحام؟ أنا جربت ذلك، فلقد تعودت أن اصطحب جريدة في طابور الانتظار في مركز توزيع الماء، وحينما أهم بفتح صفحاتها غالبا ما تصطدم يداي بوجوه الناس في الطابور، فالمسافة لا تتسع لثقافة «التيك أواي»، وغليان النفوس لا يحتمل مثل هذه التصرفات.. آثرت بعد ذلك أن أنتقي من مكتبتي في كل مرة كتابا، وما أكثر الكتاب الذين اصطحبتهم إلى هناك: العقاد، طه حسين، ميخائيل نعيمة، جبران خليل جبران، تشيكوف، البير كامو، وغيرهم من الكتاب بمن فيهم حبيبانا في صحيفة «الشرق الأوسط»: أنيس منصور، وسمير عطا الله، فهما لم يسلما أيضا من الوقوف معي في طوابير الانتظار..
قبل أيام أراد الذي كان بعدي في الطابور أن يرفه عن نفسه فرفع عقيرته بالغناء: «عطشان يا صبايا.. دلوني على السبيل»، ولست أدري كيف أتخيل كل تلك الشوارب تحيط بها صبايا، وغالبيتها من نوع الشوارب التي يقف عليها الطير، وتزمجر في غاباتها الرياح، استنكرت صوته فمنحته موقعي المتقدم، وظن ذلك مكافأة فمضى يمطر الليل بالمواويل.
وإلى هنا اعتذر عن تكملة كتابة المقال، فثمة وقت للكتابة، وثمة وقت للسقاية.. وحسبنا وحسبكم الله.
الشرق الأوسط 25/6/2008
شموس و “رواشن”
بقلم : محمد صادق دياب
تعرف (سرينات) البحر الأسطورية بأنها كائنات خرافية لهن رؤوس حسناوات فاتنات وأجساد عصافير يمارسن إغراء البحارة بغنائهن العذب وهن يقفن على شاطئ صخري فيكون الغرق مصير السفن الجانحة عشقا إلى شاطئهن.. تلك الـ “السرينات” كثيرا ما تتغني على مسامعي في كل مرة أعبر فيها بالقرب من شوارع جدة القديمة مثل: “قابل” و “الخاسكية” و”الندى” بأغنية لابن محسون:
يا شارع حبيب الروح … عمَالي أجي واروح
مســـتني مناي يطل … متمني بسـري أبوح
فأغرق في ذكريات ”الرواشن” العتيقة، يوم كانت تهطل منها الشموس لتضيء عتمة الأزقة الذابلة، حينها كانت جدة عصفورة تغلق أبواب عشها إذا ما حل المساء وتشعل “فانوس” أحلامها، فتومض كنجمة في حضن سماء بعيدة.
اليوم لم يبق لمنطقة جدة القديمة من شهور العام سوى شهر رمضان، تتغندر فيه شوارعها العتيقة بالحوانيت المضيئة، وتتموسق فضاءاتها بنداءات بائعي حلوى العيد:
يا حلاوة العيد.. يا حلاوة
من مال جديد .. يا حلاوة
فتدب الخطى من جديد في الدروب المهجورة، وتتحول المدينة إلى مهرجان فرح.
وهذه المدينة التاريخ إن لم تكن حضنا لرفات أم البشر حواء أو مسرحا لحياتها، فإن النقوش الصخرية المحفورة على بعض صخورها تؤكد أن الاستيطان البشري بها يمتد إلى العصر الحجري الحديث، وفي الرويات أن الإسكندر المقدوني قد مر بها قبل أن يقطع البحر من جدة ليؤم بلاد المغرب، وأن عرب الجاهلية شدوا الرحال إلى صنمها “سعد” فخاب ظنهم فيه فقال قائلهم:
أتينا إلى ســعد ليجمع شــملنا … فشتتنا سعد فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة في تنوفة … لا يدعى لغي ولا رشــــــــــــــد
تلك جدة العتيقة بتاريخها وحكايات أيامها توشك اليوم أن تختفي من بين عيوننا كشعاع ضوء، فحينما يقول مهندس معماري كبير مثل الدكتور سامي عنقاوي بأن بيوت جدة في المنطقة التاريخية ستزول خلال عشر سنوات إذا استمر الحال على ما هو عليه، فإن أسهل الحلول كي تهرب من فاجعة الحقيقة أن تتهم العنقاوي بأنه لا يفهم في الهندسة، وتخلد إلى وهمك الزائف كي ترتاح من وجع الدماغ.
فهل نقول لتلك الجميلة: “باي .. باي”؟ فلن يبقى منها بعد سنوات سوى ما وجده غابرييل غارسيا ماركيز حينما عاد إلى قريته الصغيرة في كولمبيا بعد طول غياب ليقف على أطلالها ويقول: “لقد تحول كل شيء إلى أدب”.
الخميس 27/ 10/2005
جده .. التاريخ والحياة الاجتماعية
فصول من كتاب جده .. التاريخ والحياة الاجتماعية قريباً فصول من كتاب جده .. التاريخ والحياة الاجتماعية للكاتب محمد صادق دياب اقرأ المزيد
كتب للمدون على النت
سامي إحسان .. صانع النجوم ومحطة إطلاق الأصوات الجديدة طارق...
كتاب / محمد صادق دياب صدر عام 2008 الإهداء: إلى جدتي مريم.. هذه...
قريبا بإمكانكم قراءة كتاب ( امراة وفنجان قهوة) كاملاً على...
من أقوالي
من أقوالي ** في رحلة العمر أنت كراكب القطار الذي لا يعرف في أي محطة سوف يهبط ، ومع هذا عليك أن تدفع ثمن تذكرة كاملة، حتى ولو كنت ” نازل في المحطة الجاية”! اقرأ المزيد
حوارات
العربية - الإثنين 12 ربيع الأول 1430هـ - 09 مارس 2009م جدة الحداثة...
رحمك الله أبا غنوة
لَوعة الغِيَاب عِندَما رَحل محمّد صادق دياب..!شبكة مصدر الاخبارية الجمعة 15 أبريل 2011 - 11 جماد الأول 1432 احمد العرفج لا يُعاني الكَاتِب مِثلما يُعاني عِندَما يَكتب عَن صَديق رَحل، أو رَفيق أفل، فمَا بَالك إذا كَان الرَّاحل...
النقي محمد صادق ديابليس إلا عكاظ - الإثنين 07/05/1432 هـ - صالح إبراهيم الطريقي أصعب أنواع الكتابة، الكتابة عن إنسان تزدحم ذاكرتك بالحكايات معه، فلا تعرف من أين تبدأ الكتابة: هل تكتب عن العمدة...
حكاية ثقافية تنتهي برواية «مقام حجاز»الاقتصادية - الأحد 1432/05/6 هـ. الموافق 10 إبريل 2011 العدد 6390 مفكرون وإعلاميون للاقتصادية : محمد صادق دياب .. حكاية ثقافية تنتهي برواية «مقام حجاز» يحيى الحجيري من جدة أجمع عدد...
• “المدن كائنات تصمت، لكنها لا تنسى، وعلى هذه الصفحات بعض ما فاض من إناء الغليان”..الوطن اون لاين الأربعاء 24 أغسطس - عبدالله ثابت مقام “محمد صادق دياب”.. • “المدن كائنات تصمت، لكنها لا تنسى، وعلى هذه الصفحات بعض ما فاض من إناء الغليان”.. بهذه...
مثقفون وفنانون ينعون «ذاكرة جدة» و «عمدة الصحافة» … محمد صادق ديابجريدة الحياة السعودية الأحد, 10 أبريل 2011 الرياض – عبدالله وافية نعى مثقفون وفنانون وأصدقاء الراحل محمد صادق دياب الذي وافته المنية صباح أول من أمس (الجمعة) بعد معاناة...
المدونة تستعمل برنامج