Top

محمد عبده .. بين تاريخ “المعاناة” وجغرافية “الأماكن”

19 أغسطس, 2009

محمد صادق دياب

يصنف الفنان الكبير محمد عبد الوهاب الفنانين إلى نوعين: فنانون لهم تاريخ، وفنانون بلا تاريخ، ويضع قيمة كبيرة للنوع الأول من الفنانين، فالفنان بلا تاريخ، بحسب رأيه، سرعان ما يصيبه دوار الشهرة فيسقط صريعاً كشجرة بلا جذور.
في كل مرة أتأمل فيها معاني ذلك التصنيف الذي وضعه الموسيقار العبقري محمد عبد الوهاب تتداعى إلى الذهن سيرة حياة فنان العرب محمد عبده بكل ما التصق بها من فقر ويتم وحرمان، وما حفلت به من صبر وصمود وإصرار، فالجراحات العميقة في حياته أكسبت إبداعه عذوبة كحال بئر ارتوازية ازداد ماؤها نقاء حينما غارت أعماقها.
عرفت محمد عبده صبياً تحتضن خطاه دروب حي «الهنداوية» في نهاية كل أسبوع، حينما كان يخرج من القسم الداخلي بدار الأيتام بجدة لزيارة شقيقته في ذلك الحي، بعد أن منعته قوانين «الرباط الخيري» الذي تقيم فيه والدته من الدخول إلى حرم الأرامل والمسنات، فكان منزل شقيقته الملتقى الأسبوعي الذي يجمع شمل أسرة مزقها الفقر والحرمان والحظوظ العواثر.
بين ذلك التاريخ البعيد واللحظة الحاضرة عقود تأرجح خلالها محمد عبده في أرجوحة الحياة، أشرقت عليه الشمس حيناً وغابت عنه أحياناً، فحينما تصعد به، أرجوحة الحياة، لم يصبه الدوار، وحينما تهبط به لم يستسلم لليأس، وظل في تلك الأرجوحة حتى تحقق له بناء مجده الفني الذي لم يسبقه إليه فنان خليجي من قبل.
حينما كتبت قبل نحو 10 سنوات حلقات لمجلة «سيدتي» بعنوان «أوراق خاصة من حياة فنان العرب» تطلب الأمر لقاءات معه، امتدت في بعض لياليها إلى الفجر، كان يسرد سيرة حياته بكل ما فيها من محطات الفرح والدموع، وبكل ما احتوته من الانتصارات والهزائم. سنوات طويلة عاشها مع والدته وإخوته في انتظار الوالد الذي سافر إلى العلاج ولم يعد، اعتمدوا خلالها على الأرز الحاف، والأمل في انتظار حدوث الذي لم يحدث. ولا يزال محمد عبده يتذكر أول كف حانية، غير كف والدته، ربتت على كتفه طفلا، هي كف الملك الراحل العظيم فيصل بن عبد العزيز، حينما كان وليا للعهد، أمام بوابة قصر شبرا، في مدينة الطائف، حيث صحبته أمه إلى هناك لتحصل على أمر بإلحاق ابنيها بالقسم الداخلي من دار الأيتام.
لم أر محمد عبده يصل إلى قمة تأثره، وهو المعروف بالسيطرة على مشاعره، إلا حينما تصل مراكب الحديث إلى شواطئ البوح عن ذكرياته مع والدته أيام الفقر والشتات، وسكن الرباط الخيري، قبل أن يعاود ابتسامته ليقول عنها: «كانت الربان الذي عبر بنا أشد العواصف دون أن يسمح للريح أن تحني هامته ولا هامات ركاب السفينة. تعودنا معها على الفقر الكريم، الذي لا يزيد صاحبه إلا كبرياء، فكنا نرسم الحلم في عيوننا المتعبة قبل أن ننام، ولا نبالي بلون الصباح».
وأخال أي باحث في أسرار إبداع فناننا الكبير سيقف طويلا عند مثلث: المرأة، الأم، والفقر والمعاناة.
بدأ محمد عبده مشواره الفني بهزيمة كادت أن تقضي عليه في أولى خطواته، حيث خرج من أول مشاركة له في مسرح الإذاعة، الذي كانت تنظمه إذاعة جدة، مهزوماً بما يشبه الضربة القاضية، حينما غنى قصيدة من كلمات الراحل سعيد الهندي تثاءب خلالها الحاضرون في أجواء مسرحية لا تتسع لمثل تلك القصائد، ليأتي بعده الفنان الكبير عبد الله محمد برائعته «حيران وليه سنة» فيشعل المسرح، ويهيمن عليه.
يومها استبد اليأس بمحمد عبده، ولعلها المرة الوحيدة التي أوشك أن يقرر فيها ترك الفن والتفرغ لدراسته في قسم صناعة المراكب بالمعهد الصناعي، بعد أن شعر أن مستقبله الفني أودت به الرياح.
لم يخرجه من حالة الإحباط تلك سوى تعرفه بالشاعر الغنائي إبراهيم خفاجي، الذي نصحه بتطوير قدراته على التعامل المباشر مع الجمهور، والتعرف على سيكولوجيته، وذوقه الفني. يقول محمد عبده: «استفدت من درس الخفاجي، فكنت أحمل آلة عودي في نهاية كل أسبوع لأغني في حفلات الزفاف مجاناً، حتى اكتسبت مفاتيح التعامل المباشر مع الجمهور، ومعرفة شرائحه، وأذواقه».
وليس لمتحدث عن مسيرة محمد عبده أن يغفل حدة المنافسة بينه وبين الفنان الكبير الراحل طلال مداح، وانقسام الجمهور الفني على مدى عقود إلى فريقين، فريق طلال مداح، وفريق محمد عبده.
لم تك تلك المنافسة المثالية خالية من بعض الضربات القليلة تحت الحزام، حتى إن محمد عبده ليبتسم عندما يتذكر ذهابه إلى الأستديو في بيروت لتسجيل أغنية «مقبول منك كل شيء مقبول» من ألحان المرحوم عمر كدرس فيجد الراحل طلال مداح قد سبقه إلى هناك ليسجل تلك الأغنية بصوته.
يقول محمد عبده: «عدت يومها إلى الفندق غاضباً وحزيناً، ولكنني لم استسلم لتلك المشاعر، وقررت أن أفعل شيئاً أرد به على الكدرس وطلال مداح، فاعتكفت في غرفتي بالفندق أياماً خرجت منها بأغنية الرمش الطويل التي سبقت شهرتها وصولي إلى جدة، وأطلق اسمها شعبياً على أنواع من الأقمشة والسجائر والعربات في السعودية».
ومن باب الإنصاف أيضاً أن أنقل هنا عن طلال مداح تأكيده بأن محمد عبده قد مارس معه لاحقاً مثل هذا الاختطاف لبعض الأغنيات التي كان من المقرر أن يتغنى بها طلال نفسه.
لكن هذه المنافسة بين طلال مداح ومحمد عبده التي انشغل بها الجمهور طويلا لم تخدش الود بينهما، ففي إحدى الجلسات الخاصة التي جمعتهما سوياً في منزل محمد عبده سألتهما عن رأيهما في بعضهما بعضاً، فوصف محمد طلال قائلا: «إنه الصوت الأكثر نقاء في عالمنا العربي».
ليلتها أكد طلال أن الكثير من الفنانين الذين أتوا بعده لم يشغلوه لأنهم لم يستطيعوا أن يخرجوا من عباءته الفنية، حتى جاء محمد عبده بشخصيته المستقلة، ولونه الخاص ليشعل فتيل المنافسة الحقيقية. واتفق الاثنان، يومها، على أن كلاهما كان ضرورياً للآخر لتحقيق المزيد من التألق.
والحديث عن اهتمام محمد عبده بفنه حديث يستحق الإسهاب، فهذا الفنان بتاريخه الطويل يتعامل مع كل أغنية جديدة وكأنه يغني لأول مرة، ومع كل حفل يحييه وكأنه أول لقاء له مع الجمهور، وما زلت أذكر عودته الأولى إلى الغناء، وكانت في لندن عام 1997، بعد فترة طويلة من التوقف، كثرت خلالها الشائعات حول اعتزاله الفن، فلقد قضى أسبوعا، يذهب يوميا من العاشرة صباحا حتى العاشرة مساء لإجراء «البروفات» مع الفرقة الموسيقية، يعود بعدها منهكا إلى الفندق لا يقوى على فعل شيء. حينما دخل في تجربة لحنية وغنائية جديدة عبر نص «أنشودة المطر»، لشاعر العراق الكبير بدر شاكر السياب، والتي مطلعها:
«عيناك غابتا نخيل ساعة السحر أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر عيناك حين تبسمان تورق الكروم وترقص الأضواء كالأقمار في نهر».
وهو نص برمزيته وشجنه وصوره أدخل محمد عبده في حالة من الإرباك، فرضت عليه قراءة الكثير عن سيكولوجية الشاعر ومناخات القصيدة، لاكتشاف طبيعة حزن السياب المتمرد، الذي ظهر في اللحن قويا، شامخا، وعنيدا.
وحتى حينما اكتمل العمل ظل محمد عبده مترددا لفترة في إنزاله إلى الأسواق، وراح يدعو أصدقاءه من الأدباء والنقاد إلى منزله في جدة لإسماعهم العمل، قبل أن يقدم على طرحه، وكأنه طالب يتقدم للامتحان لأول مرة.. وتباينت الآراء بعد ذلك حول تجربة محمد عبده تلك، فمنهم من اعتبرها نخبوية بحتة، ومنهم من وجد فيها مرحلة جديدة يطرق أبوابها محمد عبده. وثمة من ارتأى أن النص الزئبقي للسياب فر من بين أوتار محمد عبده كما تفر الحمائم غير الأليفة.
ومهما يكن الأمر فإن محمد عبده لم يكرر التجربة مع القصائد ذات البعد العربي العام بعد تلك التجربة، فعلى الرغم من انتهائه من تلحين قصيدة «الطين» الشهيرة لإيليا أبو ماضي التي يقول فيها:
«نسي الطين ساعة أنه طين حقير فصال تيها وعربد».
إلا أنه لم يطرحها في الأسواق، ولم يسمعها بصوته إلا صفوة محدودة من أصدقائه المقربين، فنزعة التجديد لدى محمد عبده تفرض عليه حالة من القلق رغم ما يبدو عليه من مظاهر الهدوء، حيث ينطبق عليه وصف المتنبي لنفسه: «على قلق كأن الريح تحتي». وإن كان من سمات فناننا أن لا يسلم زمام أمره للريح.
آخر مرة التقيت به كان يتحدث عن نصوص أكثر اتساعا في أغراضها الشعرية تواكب مستجدات الحياة وتنوعها، فقلت: هل يعني هذا مطالبتك للشعراء الغنائيين بأن يكفوا عن البكاء على أطلال الحبيبة؟! تذرع بالصمت، حينها، كعادته حينما يريد محاكمة إجاباته قبل إطلاقها، وقال: «من أبرز مزايا شعرنا الغنائي في السعودية ثراء صوره وجدتها، وكذلك أناقة مفرداته ورشاقتها، ولدينا شعراء أسهموا في تنويع وتوسيع زوايا الرؤية حتى ولو كانت صوب الحبيبة، وعلى هؤلاء الشعراء نعول في فتح آفاق جديدة، وإن كان التجديد ينبغي أن يشمل جميع أركان الأغنية أيضا».
وللتدليل على ما وصلت إليه مكانة محمد عبده الفنية أنه غدا صانعا للنجوم، فيكفي أن يغني لشاعر أو ملحن لينضم إلى قائمة المشاهير، فمن بوابة محمد عبده ولج الكثير من الشعراء والملحنين إلى عالم الشهرة والأضواء، حتى أن شاعرا معروفا غنى له عددا من المطربين أسر لي ذات يوم بأن شهادة ميلاده كشاعر غنائي لن تكتب إذا لم تتغن بشعره حنجرة فنان العرب.
ولا يمكن الحديث عن محمد عبده بمعزل عن الوطن، إذ لا اعتقد أن فنانا عربيا تغنى بوطنه بالقدر الذي فعله محمد عبده، كما أنه المحاول الأبرز في إخراج الأناشيد الوطنية من إطارها التقليدي لينتقل بها إلى مستوى التطريب والاحتفالية، إذ تظل رائعته «فوق هام السحب» التي نسج كلماتها الأمير بدر بن عبد المحسن نموذجا لهذا الشكل المتطور من الغناء الوطني الحديث:
«فوق هام السحب وان كنت ثرى فوق عالي الشهب يا أغلى ثرى مجدك لقدام وأمجادك ورا وان حكى فيك حسادك ترى ما درينا بهرج حسادك أبد انت ما مثلك بها الدنيا بلد».
أشعر أن السياقات الفنية أخذتني بعيدا عن الحديث عن محمد عبده الإنسان الذي ظل يحتفظ بأثاث حجرة أمه الراحلة كما تركته، فيأوي إلى تلك الحجرة حينما تتعبه الأيام بحثاً عن حضن تعوَّد أن يلجأ إليه، ولم يزل عبقه يعطر الوجدان.
أما عن محمد عبده الأب، الذي لم يشغله رغد العيش عن جدية التربية، فأصدر «فرماناً» يقضي بإيصال بناته لمدة أسبوع بسيارة عتيقة مهلهلة لرفضهن الذهاب، ذات يوم، إلى المدرسة بسيارة ارتأين أنها لا تليق ببنات «فنان العرب».
وقد يندلق في نهايات السطور مثل هذا السؤال: «لماذا الحديث عن محمد عبده بهذا القدر من الإسهاب؟». لذا انتقي من سلة الأسباب أهمها فأقول: إنه إيماني بقيمة الفنان التي رسخها إمبراطور فرنسا ذات يوم، وهو يتجاوز النبلاء الذين اصطفوا عند بابه للدخول عليه، ليعود الفنان «دافنتشي» المريض مرددا: «أنا أصنع هؤلاء النبلاء بالمئات، لكن فنانا مثل دافنتشي الله وحده القادر على خلقه».


فوزي محسون .. ظاهرة الأغنية السعودية

19 أغسطس, 2009

محمد صادق دياب

حينما ينطفئ النهار، وتتثاءب النوارس على صواري المراكب الراسية، كانت مدينة جدة تشعل فتيل ليلها طرباً، وتتعالى في هزيع أحيائها المواويل.. ففي شقة طلال مداح الصغيرة بشارع الميناء تتجمع «شلته» الفنية التي من أبرز وجوهها الشاعر والفنان والمنتج لطفي زيني، والممثل الكبير حسن دردير، وصوت طلال العذب يعبر النوافذ بـ«وردك يا زارع الورد» و«شفت أبها في المراعي»، وغيرهما من روائعه.. ومن «روشن» عتيق بحي العلوي في وسط المدينة ربما يستوقفك عزف الملحن الكبير عمر كدرس على العود، وهو يفاجئ تلميذه الناشئ محمد عبده، الذي يراهن عليه بلحن جديد، وقد يستبد بالكدرس الطرب فيتعالى صوته الندي بأغنيته الشهيرة «يا سارية خبريني.. عما جرى خبريني».. وإذا ما يممت شطر «الكندرة»، «متعدي وعابر سبيل»، فأعلم أنك في مضارب «بني محسون»، فهناك سيد النغم فوزي محسون يتكئ واثقاً على ضفتي نهر من أعذب أنهار الكلمة: ثريا قابل وصالح جلال.. وإذا لم يتعبك السير، وواصلت البحث، فقد تلتقي هنا أو هناك بـصوت غازي علي يترنم بـ«شربة من زمزم» أو «ربوع المدينة».. وليس هذا آخر المشوار، فليل جدة لا ينتهي، وأنت تعرف أسماء كثيرة من المبدعين ، لم تصل إلى منتديات أسمارها بعد.
فلقد أسهم المناخ السيكولوجي العام لمدينة جدة في جعلها مدينة تشد إليها رحال الفنانين من مختلف مناطق السعودية، حتى غدت ـ على مدى عقود ـ بوابة الشهرة لأي فنان يحلم في تحقيق انطلاقته، وإلى هذا التجمع الفني الثري تعزى ولادة الأغنية السعودية الحديثة.. ففي وقت واحد عاش في هذه المدينة أساطين الغناء السعودي أمثال: طلال مداح، محمد عبده، غازي علي، أبو بكر بلفقيه، فوزي محسون، عبادي الجوهر، محمد عمر، علي عبد الكريم، وعبد المجيد عبد الله، جنباً إلى جنب مع كوكبة من أبرز الملحنين أمثال: عمر كدرس، سراج عمر، سامي إحسان، طاهر حسين، كما ضمت ـ في الوقت نفسه ـ نخبة من كتاب الأغنية البارزين، الذين أغرت إبداعاتهم شعراء الفصحى الكبار على المشاركة في كتابة الأغنية أمثال: عبد الله الفيصل، طاهر زمخشري، أحمد قنديل، يحيى توفيق حسن، وغيرهم..
لن أتركك تتوه في مشتل النجوم، سأتوقف وأقف بك عند مشارف ظاهرة فنية نادرة في تاريخ الغناء السعودي الحديث اسمها «فوزي محسون»، فهذا المطرب والملحن الكبير نال الكثير من الشهرة في حياته، لكن شهرته لم تزل تكبر، وتتشكل، وتتألق، رغم مرور السنوات الطويلة على الرحيل، فالذين يعشقون لونه الغنائي اليوم من الجيل الجديد على درجة كبيرة من الاتساع والتزايد بصورة لم تحدث لغيره من الراحلين، وكأن الأيام تريد أن تعوض فوزي بعض ما لم تمنحه إياه في حياته، وهذه أبرز سمات الفنان حينما يسبق عصره، فهذا الذي استقى ثقافته الفنية من مناخات المدينة ونكهة أيامها لم تنضجه الأيام على نار هادئة، فلقد أحرقت شمعة حياته من طرفيها لتذوب قبل أوان انطفاء الشموع.. هذا الفنان الكبير سقط بجدارة في الاختبار أمام اللجنة الفنية التي تضطلع بمهمة إجازة الأصوات قبل إطلاقها عبر الإذاعة، لتفتح له الإذاعة والتلفزيون أبوابهما في وقت لاحق بعد أن ذاع صيته، وعمت شهرته.. والحديث عن فوزي لا يتم بمعزل عن الشاعر صالح جلال، والشاعرة ثريا قابل، فلقد شكل هؤلاء ثلاثياً فنياً لا يمكن أن تستحضر أحدهم إلا ويتداعى إلى الذهن اسما صاحبيه الآخرين، فلقد توحدا فنياً مع حنجرة فوزي محسون إلى الدرجة التي تتطلب لجنة دولية لفض الاشتباك بين شعري صالح جلال، وثريا قابل، إذا ما حاول أحد تقسيم هذا الإرث الغنائي بينهما، وقد أخبرتني ثريا أن ثمة نصوصاً مشتركة أسهما في كتابتها معاً، ولا يضير أحدهما إذا ما نسبت إلى الآخر، وهناك من يؤكد أن فوزي نفسه كان شاعراً أيضاً.. وبالنسبة لي أجد نفسي عاجزاً حتى كتابة هذه السطور عن التمييز في الكثير من أغاني فوزي بين ما كتبته ثريا أو صالح جلال، فهذه القصائد كالتوائم المتماثلة يصعب التفريق بينها.. وكانت ظاهرة الكتابة الجماعية آنذاك مألوفة، ويورد الزميل علي فقندش عن الملحن المعروف سراج عمر قصة كتابة الأغنية الشهيرة «من فينا يا هل ترى.. باع الهوى واشترى» التي تغنى بها فوزي محسون من ألحان سراج، كما تغنى بها عبد المجيد عبد الله بعد ذلك، إذ يشير إلى أن خمسة شعراء شاركوا في كتابتها، بدأ مطلعها الشاعر الغنائي يوسف رجب فكتب:
«من فينا يا هل ترى باع الهوى واشترى وغش فيه وافترى وخان كل العهود»..
ثم أكمل النص بعد ذلك الشاعر بدر بن عبد المحسن، وفوزي محسون، وصالح جلال، ومحمد بركات.. ويبرر سراج عمر مشاركة فوزي محسون في كتابة النص بأنه صاحب ذائقة أدبية وشعرية.. وظاهرة الكتابة الجماعية للنصوص تعكس صورة الحياة الاجتماعية التي عاشها الفنانون في هذه المدينة، والتواصل الحميم الذي ساد علاقاتهم.. ولذا سأورد كوكبة من النصوص التي كتبها صالح جلال وثريا قابل، دون الخوض في نسبتها إلى أحدهما.. ومن هذه النصوص: ـ قديمك نديمك ولو الجديد أغناك ـ سبحانه وقدروا عليك ـ من بعد مزح ولعب أهو صار حبك صحيح ـ جاني الأسمر جاني ـ متعدي وعابر سبيل وجميعها تتألق بمفردتها الشعبية البسيطة التي تعبر عن الأحاسيس والمشاعر، والتي سرعان ما تنتقل لتصبح على لسان الناس، يستشهدون بها في حكاياتهم وأمثالهم..
ففي أغنية «من بعد مزح ولعب» تصوير دقيق لحالة العاشق حينما تلتقي عيناه فجأة بعيني المحبوب، وما يحدث له من تداخلات في المشاعر:
«أخجل إذا جات عيني صدفة في عينك واصير مربوك وحاير في أمري من فرحي أبغى أطير»..
وإذا تأملنا نصاً آخر تغنى به فوزي محسون «متعدي وعابر سبيل»، تجده ـ أي النص ـ تلخص أبياته صور العشق في سياقات زمن يصعب فيه البوح، وتندر فرص التواصل والاتصال: «متعدي وعابر سبيل والشوق فيه يطير مكتوب لازم أمر مكتوب لازم أسير» إلى أن يقول:
«يا شارع حبيب الروح عمالي أجي وأروح مستني منايا يطل مستني بسري أبوح» وتعامل فوزي مع تلك الكلمات لحناً بما تستحقه من الجمل الموسيقية التي تستحضر التراث بنوع من الوعي بعيداً عن الجمود والرتابة، ليشكل بذلك شخصيته الفنية المستقلة، التي طبعت مساحة كبيرة من الغناء السعودي في تلك المرحلة بلونها.
وقد كتبت ذات مقال عن سؤالي لفوزي:
> لماذا ثريا قابل؟
وتعجبه من السؤال، وهو يرد:
ـ «أين لي بشاعر يمنحني كل هذا الإحساس كما تفعل ثريا؟!».
ومعه كل الحق فليس مثل ثريا كثيرون، ويكفي أنها أول شاعرة أقامت الدنيا وأقعدتها في الإعلام السعودي حينما أصدرت في عقد الستينات من القرن الماضي ديوانها «الأوزان الباكية»، ليجد رواد الأدب السعودي أمثال الشاعر محمد حسن عواد، والأديب عبد العزيز الربيع أنفسهم على مائدة نقاشاته..
أما عن علاقة فوزي محسون بتوأمه الفني صالح جلال، فكثيراً ما صرح فوزي بأن علاقته الوثيقة بصالح جلال تسمح له باستحضار مصادر إلهام جلال الشعرية أثناء التلحين أو الأداء، وتلك خاصية على درجة من الأهمية للدخول إلى مناخات الشاعر.
وصالح جلال من ذوي المواهب المتعددة، فهو شاعر، وكاتب، ومخرج إذاعي كبير، وموسوعة متحركة من التراث، قضى حياته في عمق البيئة الشعبية في حارات جدة، ومنتدياتها، ومقاهيها، رغم مظهر «الأفندي» الذي ظل محتفظاً به، فاستمع عن قرب لأغاني «السمسمية» في حارة البحر، وموشحات «الصهبة» في مقاهي العلوي، وحكايات المدينة في «المظلوم» و«الشام»، لذا لن يجد مثله توأمة فنية تليق بقدره مع غير فوزي محسون، فكلاهما نابع من عمق المجتمع، ففوزي محسون الذي درس صغيراً في الكتاتيب، واكتفى بالشهادة الابتدائية لينخرط في الحياة العملية موظفاً بسيطاً بالبريد، لم يرضَ أن يكون ذلك نصيبه من التعليم، فعاد من جديد إلى مقاعد الدراسة عبر مدرسة ليلية اسمها الصلاح أو الإصلاح، أنشأها جميل قمصاني أحد ضباط الشرطة القدامى بحي اليمن، وتميزت بكثافة أنشطتها المسرحية والغنائية والرياضية، وهي أول من أدخل رياضة الفروسية في الأنشطة المدرسية، ووجد فوزي محسون في تلك المدرسة فرصته للتعبير عن مواهبه الفنية شاعرا وملحنا ومؤديا للكثير من أناشيدها، حتى غدا أبرز وجوه احتفالاتها وأسمارها.. ولم يكتف بالدراسة النظامية فعمل على تثقيف نفسه بقراءات منتظمة لما كان ينشره جيل الرواد السعوديين أمثال: حمزة شحاتة، محمد حسن عواد، أحمد قنديل، محمد حسن فقي، محمد درويش «الشنب»، وغيرهم، ولم يتوقف عند هذا الحد فانفتح على الكتب والمجلات العربية، والمصرية منها بصورة خاصة، وتعرف من خلال مكتبة الأصفهاني التي كانت تستورد تلك الإصدارات على أسماء أدبية شهيرة شكلت ذائقته الأدبية كأحمد شوقي، حافظ إبراهيم، علي محمود طه، بيرم التونسي، كامل الشناوي، وغيرهم، فحفظ الكثير من قصائدهم وحكاياتهم، وكان يتغنى في جلساته الخاصة جداً بإحدى قصائد بيرم التونسي، ويشرح للحضور معانيها وغاياتها، ويفيض في وصف خفة دم صاحبها وظرفه.. وفي إحدى الحفلات الخاصة بالقفص الذهبي في جدة لصاحبه محمد مكي مكوار صديق الفنانين والإعلاميين، كان فوزي محسون في قمة تأثره، وهو يؤدي أغنيته الشهيرة:
«سبحانه وقدروا عليك وخلوك تنسى أحبابك ولا تسأل علينا خلاص قفلت في وجهنا بابك ولا عاد زلة أو طلة يحق لكم لنا الله» وحينما انتهى من أدائها، سألته مداعبا:
> ما سر انفعالك بهذه الأغنية التي تستجدي الحبيب الهاجر الذي نسي أحبابه، وأغلق في وجوههم أبوابه؟.. أين كبرياء العاشق؟!.. فنظر إلي مليا وقال:
ـ نحن على نهج عمنا أحمد رامي..
ثم راح يتغنى ببيت من أغنية كتبها رامي لأم كلثوم:
«عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك».
لاكتشف بعد سنوات طويلة، وبعد قراءة مكثفة لشعر أحمد رامي ما ألمح إليه فوزي «المثقف» في تلك الليلة البعيدة، فمذهب رامي في الحب يتسم بالاستسلام إلى حد التلذذ بعذاباته، فهو أبعد ما يكون عن الكبرياء في الحب، وجل قصائده الغنائية تستجدي عطف الحبيب.
وفوزي محسون من ظرفاء عصره، وله مع زملائه الفنانين عشرات النوادر، أجملها ما كان يحدث له مع صديقه طلال مداح، الذي روى لي حكايته مع سيارة فوزي العتيقة التي تتطلب قيادتها أن يركب معه شخص آخر لكي يسند كرسي السائق برجليه من الخلف، وفي نهاية إحدى السهرات في مدينة الطائف تسلم القيادة طلال مداح في طريق العودة إلى جدة، واكتفى فوزي بإسناد المقعد من الخلف، ولكن غلبه النوم فخارت قدماه عن إسناد المقعد، واستيقظ ليجد طلال قد سقط بجواره في المقعد الخلفي، والسيارة تهرول خارج خط الإسفلت قبل أن تغرس عجلاتها في الرمال.
وهو صاحب القلب الكبير في شارع الفن، يعلو بالتسامح عن الإساءة، ويرتقي بمكارم العفو عن الضغينة.. يتخذ لنفسه دائماً موقعاً وسطاً بين الأطراف المتنازعة، حتى غدا يشكل العنصر المشترك في كل الصداقات داخل الوسط الفني.. علاقاته بالصحافة ظلت على الدوام عفوية، لم يقترب منها ولم تنأى عنه، فهو لم يسع للحضور قط خارج فنه، لا يأبه كثيراً لعواصف المدح والقدح، زاهد في الشهرة رغم ملاحقتها له، وهو على هذا النحو أشبه ما يكون بالروائي الأميركي «جون شتاينبك» الذي كان يردد على مسامع الصحافيين الذين يلاحقونه: «أرجوكم أن تشعروا بمطلق الحرية في أن تخترعوا ما يحلو لكم من المعلومات عني وفقاً لما تحتاجونه»، فكان ينأى بنفسه بعيداً عن دوائر الضوء التي يسعى إليها الآخرون.. والمرة الوحيدة التي شاهدت فيها فوزي داخل إحدى المؤسسات الصحافية جاء فيها زائراً لزميلنا الصحافي الفني الكبير جلال أبو زيد ـ يرحمه الله ـ بصحيفة المدينة ليرافقه إلى مقر حفل تعهد جلال بإيصاله إليه، وما زلت أذكر يومها كيف انشغل فوزي عن الحفاوة التي حظي بها من المحررين ليتعرف على خطوات إعداد الصحيفة، وكيفية إخراجها، والتقنيات الحديثة في صناعتها، حتى خيل للبعض أن فوزي سيهجر الفن إلى عالم الصحافة، ولكنه التوق إلى المعرفة الشاملة الذي كان يميز فوزي عن الكثيرين. وباختصار يمكن القول: إن فوزي فنان لا يشبه إلا نفسه، فهو صاحب شخصية فنية مستقلة، لا تحتاج معها الإذاعات إلى ذكر اسمه مرادفاً للحن أو أغنية، فكل ما في فنه يشي باسمه، وحينما قيل لي ذات مرة:
ـ إن فلاناً سرق لحناً لفوزي محسون..
فقلت على الفور: > وكيف سوف يخفيه؟! ففوزي علامة فنية مسجلة يصعب سرقتها أو إخفاؤها..
فهو لم يكن «متعديا وعابر سبيل»، ولم يكن فنانا عابرا في زمن عابر، وإنما كان ـ ولا يزال ـ عنوانا بارزا وكبيرا في مسيرة تاريخنا الفني.


المواضيع السابقة »
Bottom