شربة من زمزم
31 أغسطس, 2009
محمد صادق دياب
في يوم من أيام الصبا تعطلت الدراجة التي كنت أقودها مع صديق لي في منطقة «أبحر» على مسافة من جدة، فتوقفنا على جانب الطريق ننشد العابرين إيصالنا، وإذا بسيارة تقل اثنين من الشباب، أحدهما الفنان السعودي الكبير غازي علي تتبرع بإيصالنا، وكان حينها غازي ملء الآفاق شهرة، فكل الدروب تصدح بأغانيه: «شربة من زمزم»، و«يا العشرة»، و«في ربوع المدينة»، فغبطت حظي الذي جمعني بهذا الفنان الذي تمنيت رؤيته، والتحدث إليه، فكان الطريق من «أبحر» إلى داخل المدينة مبهجا، وممتعا، وجميلا، ولم أزل أحتفظ بتفاصيل الحديث الذي دار بيننا رغم مرور الكثير من السنوات.
كتبت عنه ذات مرة مقالا بعنوان «فنان على كرسي ية»، توهم البعض أن غازي علي قد يجد فيه ما يغضبه، وكنت أراهن على أن غازي المثقف والفنان سينظر إلى الجزء الكبير الممتلئ من كوب الكلام، وكنت على يقين بأن ما كتبته عنه يصب في خانة الإعجاب به كفنان. في ذلك المقال ذكرت أن البعض يرى أن مشوار غازي علي الفني يمكن تقسيمه إلى مرحلتين؛ مرحلة ما قبل الدراسة، ومرحلة ما بعدها، وقلت إنني من الفريق الذي يميل إلى اعتبار مرحلة العفوية الإبداعية التي سبقت الدراسة أكثر تشكيلا لصورة الفنان في وجداننا من المرحلة التي تلتها، وأن جل ما نتذكره من أعمال غازي علي ينتمي للمرحلة الأولى التي نهل خلالها من التراث روائعه الخالدة، وكان جميلا أن أتلقى اتصالا من غازي علي في اليوم الذي نشر فيه المقال ممتنا ـ بأدبه الجم، وخلقه الرفيع ـ لما كتبت.
والدراسة الفنية تضيف إلى الموهوب الكثير، لكنها على الجانب الآخر يمكن أن تسلب الفنان بعض عفويته، وتلقائيته، وحريته الفنية، وهو ينشد الانسجام مع قواعد ونظريات الموسيقى التي درسها، بحيث تغلب عليه النزعة العقلية النقدية التحليلية، وتسيطر على مزاجه، وهذا ما حدث للفنان السعودي الكبير غازي علي، فدراسته في معهد الكونسرفتوار في القاهرة، وحصوله على البكالوريوس في التأليف الموسيقي، وكذلك انشغاله بدراسة «اليوجا» أسهمت في طغيان النزعة العقلية النقدية التحليلية، وانتقلت بالفنان إلى مرحلة أخرى مختلفة عن السابقة، فمؤلفاته الموسيقية الحديثة ـ في مرحلة ما بعد الدراسة ـ يمكن أن يصنفها المختصون في الموسيقى في مواقع متقدمة جدا من القيمة الفنية، إلا أن ثمة مسافة بين هذه المقطوعات، وبين وجدان المتلقي العادي الذي استقبل من قبل «في ربوع المدينة»، و«شربة من زمزم»، و«يا العشرة»، وشكلت جزءا من ذائقته الفنية.
وفي كل الأحوال يظل غازي علي أحد أعمدة الغناء والموسيقى في بلادنا، ولو أننا نمتلك معاهد أو مؤسسات لتكوين الموسيقيين لكان غازي علي الأجدر والأحق بقيادة هذه المؤسسات، ووضع مناهجها، وقواعدها، ومنطلقاتها.
في مدينتنا مصور
30 أغسطس, 2009
بقلم : محمد صادق دياب
ما زلت على قناعة بأن المصور الوحيد الذي كان في مدينة جدة إبان طفولتي رجل إنساني جدا، حرص جاهدا على إزالة الفوارق بين الناس الذين يقوم بتصويرهم، فلديه خزانة من الملابس المتنوعة التي تضم عُقلا، وعباءات، وكوفيات، ومعاطف، وربطات عنق، وخواتم، وساعات، وحتى أحذية ينتعلها زبائنه الحفاة.. ولذا حينما كنت أجمع صورا لبعض الشخصيات التي كانت تعيش في المدينة في النصف الأول من القرن العشرين لكتابي «جدة.. التاريخ والحياة الاجتماعية»، هالني ذلك القدر من التشابه في الصور، فكل صورة منها تحوي نفس المزهرية البدائية، التي تتصاعد منها زهور ورقية ملونة، يقف الشخص أو يجلس بجوارها بكامل الزي من العقال أو العمامة إلى الحذاء، تماما نفس أجواء الصورة التي التقطت لي طفلا بجوار أبي، وبيننا نفس المزهرية، وقد علقت بشفاهنا نفس الابتسامة التي يحددها المصور لكل الناس قبل أن يدخل رأسه في تجويف من القماش الأسود المتصل بالكاميرا ليلتقط الصورة.
ويبدو أن جل سكان جدة القدامى لم يكن يحلو لهم التقاط الصور إلا شتاء، فالمعاطف توشك أن تكون سمة مشتركة في معظم الصور، ولم يكن قد دخلت إلى المدينة وسائل التصوير الملون، فكان الناس يبعثون بصورهم الأسود والأبيض مع المسافرين إلى مصر ليقوم بعض الرسامين هناك بتلوينها بشكل بدائي يزيد الأمور تعقيدا، فتأتي الصور بعد ذلك من القاهرة وقد توردت الخدود، واحمرت الشفاه، وتلونت العيون بكل ألوان قوس قزح، حتى إن الصورة الوحيدة التي بقيت تذكارا لجدي لا تكاد تشبهه في شيء، فلو كان جدي على الشكل الذي ظهر فيه في الصورة الملونة لكان النسل شهد تحسنا ملحوظا تتوارثه صور الأحفاد.
ويوم ولد محل التصوير الوحيد عشرات المحلات ذات الإمكانات الحديثة ظل الناس لفترة يقاطعونها، وهم يتشبثون بقديمهم ونديمهم ذلك المصور العتيق، فالمصورون الجدد لم يهتموا بالقدر الكافي بـ «هندمة» راغب التصوير، فكانوا يصورون الناس على ما هم عليه، ومن غير مزهرية، أو معطف، وفي ذلك خروج على تقاليد التصوير التي تعودها الناس، وبالتالي ظل ذلك المصور صامدا يلتقط لقمة عيشه من الوجوه العتيقة التي ألفها وألفته، حتى أدركه هادم اللذات، ومفرق الجماعات، ومضى إلى رحمة ربه تاركا كما هائلا من صور الآباء والأجداد المتشابهة إلى حد التطابق، بحيث يكفي اختيار واحدة منها عشوائيا لتكون رمزا لكل الأجداد.
في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذه السطور تنتصب أمامي واحدة من تلك الصور العتيقة، وعبارة لالكسندر إليوت في الذاكرة تقول: «كل صورة عظيمة ترينا شيئا نبصره بالعين مع شيء ندركه بالبصيرة»، الأمر الذي يؤكد أن ذلك المصور العتيق لم يكن مصورا فحسب، بل كان فنانا كبيرا أشبه بالرسامين العظماء، فهو يظهر الشخص في ركن من أركان الصورة، تاركا المساحة الأوسع من الصورة خالية لندركها بالبصيرة. إنها حكاية زمن مضى بأنسه وناسه، ولم يبق لنا منه في الذاكرة سوى عطر الحكاية.
المدونة تستعمل برنامج