Top

بسط وهز وسط !

29 سبتمبر, 2009

محمد صادق دياب
بعض القنوات الفضائية كان عيدها مفرطا على الآخر: جلسات طرب، ورقص، ورجال «يطقّون» رقابهم، ويهزون الوسط والأرداف، وأكفهم تطوّف بـ«المسابح»، وإذا فهمنا الغناء، فنحن عاجزون عن فهم «طق» الرجال للرقاب، وهز الوسط والأرداف، وعاجزون أكثر عن تفسير زج «المسابح» التي ارتبطت بالتسبيح والذكر والاستغفار والحمد والتهليل في أجواء «نصف كم» كهذه.

نحن لسنا مع من يحاول مصادرة أفراح الناس في العيد، وتضييق حرياتهم، لكننا لا نتخندق أيضا مع أولئك الذين يحاولون توسيع رقعة الاحتفالية إلى الدرجة التي ينغمس خلالها الرجال في نوع من الرقص «المايع» الذي لو أدته امرأة في حضرة النساء لربما وجدت من يستنكر رقصها، فما بالكم أيضا بحمل المسابح، وتحريكها بالأصابع يمنة ويسرى على أنغام الموسيقى.

كان أحد الصغار في المنزل يقلب قنوات التلفاز، حينما توقف عند أحد العروض المنغمسة في الرقص بالمسابح ليسألني:

ـ ما هذا؟

قلت: سأخبرك يا صغيرنا حينما تكبر عن «هذا»، فمن مصلحتك أن لا نحشو ذهنك الصغير ببعض شوائب عصرنا وسقطاته.

وهز الصغير رأسه في غير اقتناع، ومضى يقلب القنوات حتى استقر على قناة رسوم متحركة، فسارعت إلى سؤاله:

ـ ما هذا؟

فأجاب دون تردد:

ـ سأخبرك إذا ما عدت طفلا، فليس من مصلحتك أن تحشو ذهنك الكبير باهتمامات الصغار.

في العيد كان التلفاز يعرض رقصات: العرضة والمزمار والمجرور وغيرها من الرقصات الرجولية، وتغير الزمن، وكثرت القنوات، واختلطت الأجواء، وتغير كل شيء.

في القديم كان ثمة مثل يقول: «من رقص نقص»، وهم بطبيعة الحال يستثنون الرقصات التراثية الرجولية، وأما ما عداها فثمة نظرة اجتماعية حادة تلاحق من يتمرد على هذا الإطار، وهذا ليس وقفا علينا، ففي الكثير من الثقافات العالمية ثمة حركات راقصة خاصة بالنساء، وأخرى بالرجال، وتبقى قضية استحضار المسابح في حلبة هذا النوع من الرقص عاجزة عن التقبل والفهم والهضم، لعل أولئك الراقصين يستشعرون الذنب فيحملون مسابحهم للإسراع بالاستغفار، لعلهم.

وحسبنا الله.


عصابات إجرام

29 سبتمبر, 2009

محمد صادق دياب

جرّب ذات يوم بعيد صديقنا الصحافي السعودي محمد مسلم الفايدي أن يلعب دور شحاذ أمام أحد المساجد الكبرى بجدة، وكانت حصيلته مئات الريالات خلال ساعات محدودة، ونشر تحقيقا موسعا أشار فيه إلى أن ما كسبه في ساعات من الشحاذة يساوي دخل أيام عديدة من الاشتغال بالصحافة، وأوشكنا حينها أن نقدم استقالاتنا للصحف التي كنا نعمل بها، ونقتسم مساجد المدينة بيننا بالتساوي، لكن أبت الشقاوة أن تفارق أهلها وبقينا صحافيين.

تذكرت تلك الحكاية القديمة التي يرجع تاريخها إلى ما قبل زمن الوفرة المالية، وأنا أتأمل «فاترينات» عروض التسول في شوارع جدة خلال أيام العيد، واحد مجدوع الأنف، وآخر مقطوع الذراع، وثالث مفقوء العينين، ورابع مبتور القدمين، وخامس، وسادس، وسابع، وإلى ما بعد الألف، وجميعهم ضحايا عصابات إجرام، وصنّاع عاهات في الخارج، يأتون بهم كل عام في مواسم التسول من مناطق أفريقيا الفقيرة لينثروهم في الشوارع في ظاهرة مأساوية خطيرة، ومما نشرته الصحافة قبل بضعة أعوام صورة طفل نيجيري «9 سنوات»، تم القبض عليه متسولا، ومخالفا لنظام الإقامة في السعودية، ليعود من جديد بعد عام بذراع واحدة، فصنّاع العاهات أرادوا له أن يأتي هذه المرة بـ«نيو لوك» يثير الشفقة أكثر وأكبر، وقد رفض الطفل المسكين عند القبض عليه الإشارة إلى الذين فعلوا به ذلك لأنه يدرك حجم المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها وأسرته في بلده، لو أباح للسلطات بشيء من المعلومات عن تلك العصابات، وزعاماتها، وعملائها.

وخلاصة الأمر، أن القضية لم تعد قضية تسول ومتسولين، ولكنها مسألة خطيرة تتصل بعصابات الجريمة المنظمة، وتلك العصابات تستهدف البلاد، وتستغل ظروف الحج والعمرة لضخ المزيد من هؤلاء الضحايا، وستكبر كرة الثلج هذه يوما بعد يوم، وسنة بعد أخرى إن لم يواجه الخطر بأقصى درجات الحسم، فمن الخطأ أن نظن أن نشاط تلك العصابات يقتصر على التسول، فما التسول في تقديري إلا جزئية واحدة من نشاط عام ومتسع قد يشمل السرقة والشعوذة والتزوير وكل ما يخطر على بالنا وما لا يخطر. فماذا نحن فاعلون؟


الصفحة التالية »

Bottom