Top

عناداً في الإسرائيليين: «واحد قهوة تركي وصلّحه»

24 أكتوبر, 2009

محمد صادق دياب
يوصف الأتراك بأن أدغمتهم «ناشفة»، فهم لا يقبلون الابتزاز، ويمضون في التحدي إلى نهايته، وهذا ما فعله الرئيس التركي الشجاع عبد الله غُل، وهو يرفض احتجاجات تل أبيب على برنامج تلفزيوني تركي يعرض مشاهد من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في كانون الأول (ديسمبر) الماضي بوصفها جرائم حرب، ويصور الجنود الإسرائيليين بوصفهم قتلة، وكان حاله كحال بيكاسو حينما دهم النازيون مرسمه، وشاهدوا إحدى لوحاته التي تصور الخراب الذي حل بإحدى قرى بلاده على يد النازيين ليسألوه:

ـ هل أنت فعلت ذلك؟

فقال لهم بكل ثقة وثبات:

ـ لا.. أنتم من فعل ذلك!

وكالعادة حشرت القهوة التركية في النزاع بين الأتراك والإسرائيليين، كما هو حالها في كل نزاع تخوضه تركيا، إذ قررت سلسلة مقاهٍ إسرائيلية التوقف عن بيع القهوة التركية الشهيرة لزبائنها احتجاجا على المسلسل، واعتبروها جزءا من المقاطعة الثقافية لتركيا، وقد أوقعتني القهوة التركية ذات يوم بعيد في ورطة حينما وضعت ساقا على ساق في أحد مقاهي أثينا إبان النزاع التركي اليوناني، وأنا أطلب من النادل بصوت مرتفع، ومغمور بالثقة كوبا من القهوة التركي، وفجأة وبلا مقدمات وقف ما تبقى من شعر النادل اليوناني الأصلع، وغمرت عينيه حمرة الغضب، وهو يقول:

«إنها إغريقية أيها الغريب، وليست تركية، وإذا لم تحترم عراقة تاريخ قهوتنا الإغريقية عليك أن تغادر المقهى حالا».

وأذعنت لفلسفة النادل، وطلبتها إغريقية، لكنني شربتها بهويتها التركية.

والقهوة التركية تسببت في تباين وجهات النظر بيني وبين رئيس تحرير هذه الصحيفة الصديق طارق الحميد، فلقد كتبت مقالا قبل فترة حشدت فيه كل الأدلة والشواهد والأقوال في ما يتمتع به الشاي من حسن الخصال، مقللا من شأن القهوة التي تعصب لها رئيس التحرير، وانحاز لصفها في مواجهة الشاي البريء، الطيب، المحايد، سارداً ما جادت به قريحته من أقوال في ما تتمتع به القهوة ـ السيدة السمراء ـ من جمال.

واليوم تضامناً مع موقف تركيا ورئيسها غُل سنقول للجميع «أدّيها قهوة تركي»، وسنعتصر كل القطرات في أكوابها عناداً في الإسرائيليين الذين قاطعوها..

و«واحد قهوة تركي وصلّحه!».


عودة الشيخ إلى صباه!

24 أكتوبر, 2009

محمد صادق دياب

وقع في يدي أثناء زيارة إلى إحدى العواصم العربية كتيب يحوي مستحضرات «خبير أعشاب» لا يترك مرضا على سطح الكوكب إلا وجد له علاجا، ولو صدق ذلك «الخبير» سيصبح بإمكان كل فرد إجراء «عَمرة» يعود بعدها على «الزيرو» ليتحدى الأعوام من جديد، فلديه كريم مضاد للشيخوخة وإزالة التجاعيد لو دهن شيخ بها جلده عاد إلى صباه، ولديه كريم لتبييض الوجه، وكأن ذلك الخبير قد علم أن ثمة وجوها كثيرة تحتاج إلى تبييض على نحو تبييض الأموال، وتضم القائمة أيضا مستحضرات لإزالة السمنة، وتخفيض الأرداف، وإزالة آلام الظهر، والركب، والمفاصل، وتكبير الشفاه، وتوقيف سقوط الشعر في رؤوس الصلع، وعلاجات للإكزيما، والصدفية، والحروق، والبلغم، والسعال، والتقرحات، والسكر، وتضخم البروستات، والبواسير، وباختصار لم يترك الرجل للأطباء ما يكفل لهم إطعام أبنائهم.

في متجر ذلك الخبير وجدت رجالا ونساء من مختلف الأعمار والجنسيات جاءوا يبحثون عن حلول لمعاناتهم؛ واحدة تريد أن تضخم صدرها، وأخرى ترغب في تخفيف حمولة بطنها، وأصلع يحلم أن يعيد الربيع لرأسه المتصحرة، ومن بين كل الزبائن لم أستطع أن أخرج صورة ذلك الرجل الثمانيني من الذاكرة، الذي خرج من المتجر يجر خلفه حمولة بعير من الأعشاب، ولا تفسير لتلك الحمولة سوى أن الرجل ربما رغب في إجراء «سمكرة» شاملة، فقرر أن ينقع نفسه من رأسه إلى قدميه في الكريمات، لإرجاع ما فات.

والحقيقة أن كثرة ادعاءات ذلك الخبير تصعّب عملية تصديقه، فهذه المنظومة من المواهب التي قادته إلى كل هذه الاكتشافات تجعل منه فريد عصره، ووحيد زمانه، فلقد أنجز ما لم تنجزه مصانع الأدوية العالمية الكبرى مجتمعة، فلديه لكل داء دواء، ولكل مشكلة حل، ولكل شكوى علاج، وقد دفعني الفضول إلى الاتصال به لسؤاله عن المراحل التجريبية التي تمر بها مستحضراته قبل تطبيقها على البشر، سألته:

ـ هل قام بتكبير شفاه بعض الفئران أولا قبل تكبير شفاه البشر؟!

ـ هل سبق أن عالج حمارا من الصلع؟!

ـ هل أعاد ثورا هرما إلى ساحة النزال من جديد قبل أن يعيد الشيخ إلى صباه؟!

وأغلق الرجل سماعة الهاتف في وجهي، وظللت أهطل بالكثير من الأسئلة التي تبدأ بـ«هل» قبل أن أكتشف أنني وحيد على سماعة الهاتف أمارس ضربا من الهذيان.

صحيح رزق الهبل على المجانين.


الصفحة التالية »

Bottom