Top

أقرع ونزهي!

15 نوفمبر, 2009

محمد صادق دياب

تمكن رجال البحث والتحري من القبض على موظف نقل الأموال الهارب بمليون و600 ألف ريال يوم السبت الماضي بعد نحو أسبوع من ارتكاب جريمته، ولم يجدوا في حوزته من المبلغ ـ عند القبض عليه في جدة ـ سوى مليون ومائة ألف ريال، فلقد بدد اللص خلال أسبوع واحد على نزواته المكبوتة نحو نصف مليون ريال، فأهدافه من السرقة لم تكن تتجاوز ـ في الغالب ـ رغبة العيش عدة أيام على الموجة العريضة، وليكن بعدها الطوفان، فهو يدرك سلفا أنه سيقع في قبضة الأمن، وأن فراره لن يدوم طويلا، قبل أن يجد نفسه وحيدا في زنزانة يجتر خيبته، فهو ينطبق عليه المثل «أقرع ونزهي». وسيكولوجية هذا اللص لا تختلف عن سيكلوجية الكثير من اللصوص، فهم ذات طبيعة آنية، يرتكبون أبشع الجرائم من أجل متع وقتية يعرفون أنها قصيرة وسريعة، ويعقبها الألم.

ضعاف النفوس من المحرومين والمعدمين يصابون بصدمة المال، حينما يجدون أنفسهم في أعمال تضعهم وجها لوجه مع الملايين، وتحت تأثير هذه الصدمة قد يفقد البعض رشده وصوابه وبصيرته، ويظل هؤلاء ندرة، وقلة، فالقاعدة العظمي يمثلها الشباب الشرفاء الذين يعملون في شركات نقل الأموال بأجور متدنية جدا، لا تراعي خطورة مهامهم، ولا تعقيدات مسؤولياتهم، فتجدهم يعيشون وسط الملايين يوميا، ويكتفون ـ رغم فقرهم ـ من التعامل مع الأموال بنظافة اليد وطهارة النفس وراحة الضمير.

في حينا الشعبي العتيق «الهنداوية» بمدينة جدة، حينما كان الفقر يضرب أطنابه في أزقته ودروبه، وصل أحد الجيران إلى وظيفة صرّاف في مؤسسة النقد، فكان عمله يقتضي منه يوميا أن يحسب يدويا مئات الآلاف من العملات الورقية، قبل ظهور مكائن العد الآلي، وبلغ خبر عمله مجذوب الحي، فكان ينتظر الرجل ظهيرة كل يوم، حينما يعود من عمله ليشم ظاهر كفه وباطنه قبل أن يمضي في سبيله، ولم يكف عن هذه العادة اليومية إلا حينما أحيل الرجل إلى التقاعد، وكان شعاره أن للنقود رائحة لا يشمها المترفون.

وبعد أن تكررت حوادث سرقة الأموال المنقولة من قبل العاملين عليها، واكتشاف وجود من له صحيفة سوابق من العاملين في نقل الأموال، فإن من الضروري جدا إعادة تقييم النهج الذي تسير عليه هذه الشركات في اختيار موظفيها، ورفع رواتب العاملين إلى مستوى مسؤولياتهم، فذلك من شأنه ترغيب المزيد من الشباب الكفء للإقبال على هذا النوع من العمل الذي يتطلب الرشد والصلاح والاستقامة، وإلا فإن مسلسل الهروب بالأموال سيتواصل، ومن يضمن أننا سنصل في كل مرة إلى اللصوص قبل أن تتبخر الأموال في نزواتهم ومتعهم السريعة الخاطفة؟!


مذبوحة على الطريقة العربية!

15 نوفمبر, 2009

محمد صادق دياب

ما حضرت نقاشا بين عربيين إلا كانت اللغة اليقينية ثالثتهما، فكل يتحدث بيقين الذي يمتلك الحقيقة، ولما كانت مجالس العقلاء تتطلب متحدثين ومستمعين، فقد عودت نفسي الانحياز إلى صفوف المستمعين، إذ لا أمل لديّ في أن تسفر تلك النقاشات عن تشكيل قناعات مشتركة، وقد سيّج كل واحد نفسه لاتقاء فكر الآخر بمصدّات، وأسلاك شائكة على النحو الذي توشك أن ترسم فيه الحدود بين الدول العربية.

في أدبيات الحديث باللغة الإنجليزية عبارات دارجة كثيرة الاستخدام مثل: «أنا أظن»، و«من المحتمل»، و«لربما»، لإشعار المتلقي بأن الرأي المطروح يتسم بالمرونة، وقابل للنقاش، وليس يقينيا، ولهذه العبارات ما يقابلها في لغتنا وأكثر، لكنها غدت شبه مهجورة من ندرة الاستعمال، فلا أحد منا يبدأ نقاشه أو طرح أفكاره بإبداء ما يوحي بأن ما يطرحه يحتمل الخطأ، وبالتالي فهو جاهز للاصطدام مع كل من يخالفه الإيغال في مثل هذه اليقينية، ومن الإنصاف القول: إن جلنا على نفس المستوى من الجاهزية لذبح جميع حواراتنا وفق هذه الطريقة العربية.

وقد نجد في الغرب قلة تنحو هذا المنحى اليقيني من أمثال فوكوياما، ومقولته بنهاية التاريخ، لكن هؤلاء يمتلكون الشجاعة حينما تتبين لهم الأمور، فيعتذرون، ويعلنون خطأ رأيهم كما فعل فوكوياما نفسه، لكن من يفعل مثل هذا في عالمنا العربي؟! فأنا لا أتذكر أن أحدا منا قد اعتذر عن أفكار سبق طرحها، وتبين عدم صوابها، جميعنا نمضي على نفس القضبان التي شكلنا بها قناعاتنا قديما، ولم نزل نصر على أنها أقصر طريق بين نقطتين، ولتذهب نظرية الخط المستقيم إلى الجحيم.

بالأمس كنت أقرأ لقاء أجري مع مفكر عربي، يعد أحد عتاولة الفكر الماركسي، ولم أفاجأ بأن لا شيء قد تغيّر في فكر الرجل رغم أن العالم كله قد تغيّر، ولولا التاريخ في أعلى الحوار لظننته لقاء مختارا من صحافة عقد الخمسينات من القرن الماضي، نفس اللغة، ونفس الخطاب، ونفس الحلم الذي لم يتحول إلى كابوس بعد، وعلى نفس الحال قد تجد الآخرين من الإخوان، والقوميين، والبعثيين، وغيرهم.

فإذا كان الفكر ـ كما يقال ـ عملية مستمرة تؤثر وتتأثر بما ومن حولها، فما بال الغالبية منا تصر على العيش في جزر أفكارها المعزولة، قاطعة كل خطوط الاتصال والتواصل مع الواقع ومتغيرات الزمن؟!


الصفحة التالية »

Bottom