هارب بزيّ العمل البرتقالي!
31 ديسمبر, 2009
محمد صادق دياب
هرب عامل النظافة الهندي حبيب حسن إلى بلاده عبر الاختباء في دورة مياه طائرة هندية غادرت المدينة المنورة إلى جايبور بالهند ليكتشف الركاب وطاقم الطائرة وجوده بعد زمن من الإقلاع، وهو يخرج من دورة المياه بزيّ العمل البرتقالي اللون، مؤكدا أنه يرغب العودة إلى بلاده، ومدعيا أن جواز سفره محجوز لدى الشركة التي يعمل بها، وأنه اضطر إلى الاختباء في دورة المياه للعودة إلى بلاده لأنه لم يحصل على راتبه لنحو ستة أشهر، إضافة إلى أنه كان يتقاسم الطعام والغرفة مع 13عاملا آخر، وهو ما لم يكن يكفيهم.
ذلك ما ادعاه العامل الهندي، وهو خبر يحتمل الصواب والخطأ، فقد يكون العامل كاذبا في ادعاءاته لتبرير طريقة هروبه، وقد يكون على صواب، والمطلوب هنا أن ترد الشركة التي عمل في خدمتها هذا العامل بالوثائق لتدحض اتهامات ذلك العامل التي يلوكها الإعلام الهندي الآن، أو أن تعترف بالاتهامات التي وجهها العامل إليها وتوضيح أسبابها، فصمت الشركة من شأنه أن يزيد الأمر غموضا.
هروب هذا العامل الهندي، بصرف النظر عن صدق ادعاءاته أو كذبها، يفرض علينا مجددا مراجعة النظام المطبق على العمالة الوافدة، وهو النظام الذي وصفته ذات مقال بأنه غدا وجع رأس لكل الأطراف التي تتصل به: العامل، والكفيل، ووزارة العمل، وحقوق الإنسان، والمحاكم، وغيرها، خصوصا أن هذا النظام الذي ينعتونه بنظام الكفيل قد ارتبط بالكثير من المشاعر السلبية في دواخل الكثيرين، وأشعر أنه قد آن الأوان للإسراع بأن نختار من مائدة التجارب العالمية في هذا المجال ما يتوافق مع ظروفنا، فليس من الضرورة أن نخترع العجلة من جديد.
فبلادنا قد حباها الله نعمة كبيرة بأن جعل ملايين الناس تأتي إليها بغرض الحج والعمرة والعمل، وهؤلاء يمكن أن يكونوا شهودنا أمام العالم، حينما يعودون إلى بلدانهم يحملون الصور الإيجابية عن هذه البلاد وأهلها، وكما استطعنا النجاح في ترك الأثر الإيجابي لدى ملايين الحجاج والمعتمرين يمكننا أيضا أن نترك نفس الأثر في صفوف العمالة التي تعود إلى بلادها بعد انتهاء فترة عملها، وتحقيق ذلك يتطلب نظاما جديدا يعكس أخلاقياتنا وقيمنا بصورة أكثر تعبيرا من النظام الحالي، نظام يجعل العامل المقيم، أو المغادر لهذه البلاد بعد انتهاء خدمته، يحمل الصورة الإيجابية التي نستحقها، وهذا يتطلب أن لا ندع مصير سمعتنا، وسمعة مجتمعنا في يد أي جهة يمكن أن تخطئ التعامل فتخدش الصورة الجميلة التي نستحقها في أعين العالم.
فهل نفعل؟
سنة جديدة و«تنبؤات» جديدة!
30 ديسمبر, 2009
محمد صادق دياب
التنجيم ظاهرة يرتبط رواجها بالأزمنة التي تنحسر فيها مساحات وعي الإنسان، وتكثر ضغوطاته الحياتية، ومفترق الأعوام يمثل موسم الذروة بالنسبة إلى المنجمين، الذين يسارعون مع بداية كل عام إلى إصدار العديد من الكتب التي تدّعي قراءة أحداث العام الجديد، ومنهم بعض المنجمين العرب الذين تحتفي بهم بعض القنوات الفضائية، وتفرد لهم قدرا من المساحة ضمن هيكلة برامجها.
ولهؤلاء المنجمين قدرة هائلة على الظهور سنويا في مثل هذا التوقيت ليصبوا على مسامعنا المزيد من القراءات حول العام الجديد رغم أن قراءاتهم عن العام الذي يوشك أن ينقضي لم يتحقق منها شيء، وهم يعتمدون في ذلك على ذاكرتنا الموغلة في النسيان، وعلى أزمة بعض العقول المتأرجحة بين متناقضات العصر. والإنصات لهؤلاء – للأسف - ليس وقفا على الجهلاء والعوام، ولكنه يمتد في بعض الأحيان إلى شرائح اجتماعية في مواقع وظيفية عليا كالرئيس الأميركي ريغان، والرئيس الفرنسي ميتران، اللذين يقال إنهما كانا يصغيان إلى بعض المنجمين، فأمام الوهم النفسي في إمكانية رفع بعض ستائر المجهول قد يتحول البعض إلى سذج وعوام.
وما ينبغي أن نعترف به أن هؤلاء المنجمين يتسمون بالذكاء الشديد جدا، والفراسة، والدهاء، والحيلة، وهم يسوقون قطعان «تنبؤاتهم» إلى حيث اهتمامات الناس، فيثيرون مخاوفهم حينا، ويبيعون لهم وهم الأمان حينا آخر، وقد شاهدت مرة في أحد مقاهي لندن واحدا من هؤلاء الدجالين الكبار - في «إدجوارد رود» شارع العرب الرئيسي في العاصمة البريطانية - محاطا ببعض السيّاح السذج، وهو ينظّر لهم في كل الأمور من السياسة إلى كرة القدم، وهم أمامه في حالة استلاب، فالرجل كان يجيد توظيف صوته، ونظراته، وتعابير وجهه، وغرابة مظهره في التأثير عليهم، وفرض هيمنته على آرائهم، وقد ضاق ذرعا بمناكفتي له في ذلك اليوم فآثر أن ينتقل برفقة مريديه إلى طاولة أخرى لا تجاور هذا «الجاهل» كما نعتني.
وفي موسم المنجمين الذي نعيشه فإنني سأسوق مجموعة من الأمنيات للعام الجديد في مقابل مجموعة «تنبؤاتهم»:
- أتمنى أن يكون العام الجديد عام تنوير، لا تنساق فيه وسائل الإعلام للترويج لدجل المنجمين.
- أتمنى أن يكون العام الجديد عام علم تنحسر أمامه جيوش الخرافة.
- أتمنى أن يكون العام الجديد عاما خاليا من التلوث، فلا نتعثر بكتب المنجمين في «بسطات» الأرصفة، ولا بعناوينها في فاترينات المكتبات.
- أتمنى أن يكون العام الجديد عام إيمان فنزداد يقينا بأن الله وحده علام الغيوب.
وكل عام وأنتم في أمان.
المدونة تستعمل برنامج