«عواقب الحب» في السعودية!
26 فبراير, 2010
محمد صادق دياب
«عواقب الحب» عنوان رواية كتبها مؤخرا روائي إريتري اسمه سليمان أدونيا، يقال إن أحداثها تدور في مدينة جدة، وقد احتفى بها النقاد، وأفردت لها بعض الصحف البريطانية عددا من «مانشيتاتها»، وتمت ترجمتها إلى 20 لغة! وهذه الهالة التي أحاطت بالرواية جعلت البعض من أدبائنا يشتَمّون فيها - من قبل قراءتها - رائحة الإساءة والعداء، ومعهم الحق في هذا التوجس، إذ ليس كل الظن إثما، فما تسرب من مضمون الرواية يحيلها إلى أن تكون امتدادا لبعض روايات سابقة، كان لكتّابها من الإخوة العرب رؤيتهم الخاصة لتجاربهم الحياتية بيننا، فعبروا عنها بفيض من المبالغة والغرائبية، والفارق الزمني بين تلك الروايات ورواية «عواقب الحب» جعلنا اليوم أكثر نضجا للتعامل مع ما يكتب عنا بقدر من الثقة في الذات، عبر عنه الزميل علي الموسى في مقال له بعنوان «وطني في أوراق هؤلاء»، إذ تمنى لو وجه الدعوة إلى الروائيين: يحيى يخلف الذي كتب «نجران تحت الصفر»، وإبراهيم نصر الله الذي كتب «براري الحمى»، ليطلعهما على واقعنا الذي نعيشه اليوم.
ففي ظل المنجز الذي تحقق لم يعد بمقدور رواية، أو سلسلة من الروايات، حتى لو طبعت بكل لغات العالم أن تقلل من شأن المنجزات التي تحققت على هذه الأرض، أو التطورات التي شهدها إنسان هذه الأرض، وكما لم نكن بالأمس وفق «ما يطلبه المستمعون»، فلن نكون اليوم، ولا في الغد إلا وفق ما ينسجم مع ذواتنا، وللآخرين أن يكتبوا ما أرادوا، فنحن أكثر صلابة، وأكثر جرأة لأن ننظر إلى وجهنا في كل مرايا الآخرين، دون أن تربكنا خدوش بعض المرايا.
وأذكر هنا مجلسا ضم الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي مع عدد من المثقفين السعوديين ذات «جنادرية» في أحد فنادق العاصمة قال فيه: «أجمل ما في مهرجاناتكم أنها ليست مواسم دعائية لبلادكم، ولا لمبدعيكم كبعض المهرجانات، ومع هذا مَن في مقدوره أن يأتي إلى هنا دون أن تستوقفه أصواتكم الشعرية، أو تبهره الرياض؟!».
أردت أن أقول إن هذا الوطن الذي نعم بشهادات المنصفين لم يعد يتحسس كثيرا أن يحمل البعض أقلامهم إلى زوايا الرؤية الضيقة، فالقافلة تمضي، ولن يضيرها إن بلغ أسماع حداتها أحيانا صوت يقتفي الأثر ليقتات من سقط المتاع.
دياب: حرائق جدة التاريخية حدثت بفعل فاعل
26 فبراير, 2010
جدة : خالد المالكي / صحيفة “عناوين” الإلكتورنية
جدة التاريخية، مدينة المدن المفعمة بالعشق المطرز بأكاليل الغار، وذكريات من مروا هنا ذات عصر ذهبي, حينما عمروها بابتساماتهم وبحبهم, بدموعهم وآهاتهم, بعرق جبينهم وعصارة أفكارهم النيرة؛ فكانت جدة ذات الحكاية الأبدية. هذه المدينة العاشقة والمعشوقة دوما, تتعرّض حاليا للدمار من قبل من لا يدركون ماهية جدة التاريخية ولا قيمتها الاقتصادية والإنسانية، فتارة تتعرّض للحرائق المدمرة, وتارة أخرى وعلى غفلة من الزمن تنتصب الأبراج الأسمنتية في قلبها، وتحل شبابيك من الألمنيوم الصامت صمت أبي الهول محل الرواشين الناطقة بمفردات الوله الأبدي.
..وفي سبيل الاقتراب من هذه المعضلة التي تتعرّض لها جدة, قامت (عناوين) بجولة استطلاعية على المدينة التاريخية, ونقلت هذا الهم إلى أحد أبناء جدة التاريخية, الذي يلقبه كثير بعاشق جدة, وهو الأستاذ محمد صادق دياب, الذي التقته (عناوين) في هذا الاستطلاع فدار هذا الحوار..
ـ ما الشعور الذي ينتابك ومعك أبناء جدة القديمة نتيجة توالي الحرائق في المباني التاريخية؟
“لا شيء أفدح من وقوف العاشق على طلله”, هذه العبارة التي قالها الأديب الفلسطيني محمد القيسي تلخص حالتي في كل مرة أزور فيها جدة القديمة، فألمح بيوت العز التي كان يسكنها أكابر المدينة وقد التهمتها النيران، أو تحولت إلى خرائب ينعق فيها البوم لولا عمالة وافدة وجدت فيما تبقى من حوائط تلك البيوت ملجأ يقيها حرارة الشمس نهارا، وأشواق الأوطان ليلا، فاستأنست الوحشة، وروضت عزلة المكان.
إن ما تبقى من هذه المدينة العتيقة يثير حزني: رواشنها الهرمة التي انفرطت أخشابها مثل مسبحة مقطوعة، “عرائس” أسطحها وقد غدت خربة مائلة مصفرة كأسنان كهل قضمه الزمان، وأحجار بيوتها النافرة وهي تحاول الهروب من مصيرها المحتوم.
وهكذا أجدني في هذا المكان الذي خفق له القلب أول خفقاته العاشقة متلبسا بقول الشاعر:
“أنأى عن زماني حين أدنو من تضاريس المكان”
فهذه المدينة التي سلمت من بطش “التراكتورات” ذات زمن, عاشت عقودا بعد ذلك من الإهمال والتهميش واللامبالاة، وكأن الزمن قد أدار لها ظهره ومضى ليتركها جثة محنطة ملقاة على قارعة المكان.
ـ هل تعتقدون أن الحرائق بفعل فاعل؟ ولماذا؟
نعم حدثت بفعل فاعل، وهذا الفاعل هو الجهل بأهمية التاريخ والتراث وذاكرة الوجدان.. أما لماذا؟ فلأن شهية المتربصين بالمدينة القديمة ظلت مفتوحة لقضم التاريخ واستبداله بالأبراج الأسمنتية.
ـ هل الجهات الرسمية مقصّرة في حق جدة التاريخية؟
نعم مقصرة “بالثلاثة”.. فهل يعقل في الوقت الذي يسعى العالم فيه إلى المحافظة على مدنه التاريخية, نأتي نحن بدم بارد فنهدم سور المدينة، ثم نترك ما بداخلها نهبا للحرائق والخراب وسماسرة الانقضاض على رائحة الزمن يعبثون بكل قديم؟
نعم يا سيدي الجهات الرسمية مقصرة وفي مقدمتها الأمانة.
ـ لماذا يشعر المراقب أن الوعي بأهمية جدة التاريخية يكاد يكون صفرا لدى الجهات الرسمية، ولدى أصحاب المباني؟ وكيف نعمل على رفع المعرفة بهذا الجانب؟
صدقني أن ثمة وعيا لدى شريحة من أبناء جدة بأهمية هذا الجزء من مدينتهم، لكن أمانة المدينة وكل الأمناء السابقين باستثناء الأمين الأول المهندس محمد سعيد فارسي, لم ينهضوا بهذا الوعي، ولم يفعلوا شيئا لتفعيل هذه المنطقة, فأصبحت هذه الدور عبئا على مُلاكها، ومنهم من ليس بينه وبينها ـ أي هذه الدور ـ أية علاقة وجدانية، فتجده ينتظر النار أو معول الزمن ليستبدلها بالأبراج الأسمنتية.
ودعني أنقل لك من عالم الروائي غابريل غارسيا ماركيز حكاية، فحينما عاد ماركيز إلى قريته في كولومبيا، ونظر إلى طرقاتها الضيقة الخربة والعشب يعلو الجدران صاح قائلا: “لقد تحول كل شيء إلى أدب”، ولن يطول بنا الزمن قبل أن تتحول جدة القديمة التي تغنى بها الشعراء: حمزة شحاتة، وأحمد قنديل، ويحيى توفيق حسن، وغيرهم, إلى مجرد أدب.
المدونة تستعمل برنامج