Top

إش لونك؟!

13 مارس, 2010

محمد صادق دياب

«إش لونك؟»، من أشهر العبارات التي يتبادلها الناس في مناطق شاسعة من العالم العربي، والذين يعرفون أسرار الألوان وأهميتها يبررون لهؤلاء الذين يجعلون اللون في مقدمة ما يسألون عنه أحبابهم وأصدقاءهم، فللألوان تأثيراتها على مزاج الإنسان، وأفكاره وسلوكياته، ومعرفة لونك قد يكون المفتاح في معرفة شخصيتك.

وكان العلم الحديث قد استقر أخيرا على أن الألوان الرئيسية الأساسية ثلاثة، وليست سبعة كما كان يشاع سابقا، وأن هذه الألوان الثلاثة هي: الأزرق، والأحمر، والأصفر، ولكل لون من هذه الألوان صفاته، ودلالاته السيكولوجية.

فاللون الأزرق لون الهدوء، والصفاء، والسكينة، والسمو الروحي، والاسترخاء، ويقال إنه مسكن للألم، ومنظم لضغط الدم، وعمليات الشهيق والزفير، وهو وسيلة علاجية لتخفيف آلام «الشقيقة»، والربو، وتقليل الإفراط الحركي لدى الأطفال المصابين بالتوحد. وهذا اللون يمثل لون الذكورة، وهو المتفق عليه بالنسبة لملابس الأطفال حديثي الولادة، والأشخاص المتعلقون باللون الأزرق طموحون، ومثاليون، ومبدعون، ومعتدلون في عواطفهم، ومتفائلون.

ورغم جماليات الأزرق الذي هو لون السماء والبحر، نجد من يصف حالات الابتلاء العظمى بـ«البلاوي الزرقاء»، وينعت أشرس الجن بـ«الجنّي الأزرق»، وأخطر أنواع الحيتان بـ«الحوت الأزرق»، لكن الشيء العلمي المتصل بهذا اللون هو أن الإكثار المفرط منه قد يجلب الاكتئاب. واللون الأحمر لون نشط، ومثير، وهو لون الوردة، ولون الشفق، ولون الشفاه، ورمز الحب والقوة، ومحفز للعواطف، ومعمق للثقة في النفس، وهو لون يلفت الأنظار، ويجلب الإعجاب، ويعد وسيلة علاجية للبرود العاطفي، والكسل، والإجهاد، ورافعا لكفاءة جهاز المناعة، والناس في بعض المناطق قادتهم فطرتهم - حتى عهد قريب - إلى إحاطة مرضى الجدري والحصبة وبعض الأمراض باللون الأحمر، وعشاق اللون الأحمر يتسمون بالجرأة، والعاطفة الجياشة، والانفتاح على الآخرين.

وأكثر الجنايات على اللون الأحمر جاءت من السياسيين، والمعلمين، ورجال المرور، ففي السياسة ارتبط اللون بالحروب والثورات والعنف، وفي التعليم لم يجد المعلمون لونا يصححون به أخطاء تلاميذهم سوى اللون الأحمر، الذي أصبح مع الزمن «فزّاعة» التلاميذ، كما اختارت التنظيمات المرورية الإشارة الضوئية الحمراء لونا يفرض التوقف، ويقيد الانطلاقة.

أما اللون الأصفر فهو لون مبهج، وسار، ومشرق، ومحفز للتفكير والإبداع، ويساعد على التذكر، وعشاقه يتسمون بالمرح، والحيوية، والمثالية، والتفاؤل، والحكمة، كما يتسمون بالصفاء الذهني، والميل إلى الصداقة، وهو رمز من رموز الثراء، حيث يستمد منه الذهب لونه، ويقال إن اللون الأصفر يمكن أن يساعد في علاج النسيان، وصحة الجهاز التنفسي، ورفع كفاءة الجسم، وضبط المزاج.

ومن الظلم الذي يقع على هذا اللون وصف الابتسامة الباهتة بالابتسامة الصفراء، رغم أن اللون رمز من رموز البهجة والمرح والمحبة.

وقبل الختام أقول لك: «إش لونك؟».


وتوكأ على بابها وأسلم الروح!

3 مارس, 2010

محمد صادق دياب

من ظرفاء مدينة جدة رجل عليل البصر، متوقد البصيرة، أشعلت تجارب الحياة دمه، فحولته إلى بائع حكمة متجول، يسكب الموعظة في الطرقات على رأس من أرادها، له في كل مسألة رأي، وفي أية قضية وجهة نظر. لو كان للعم حميدان عينان تبصران لتحول إلى رسام كاريكاتير من طراز نادر، فهو ساخر إلى حد الإثارة، رشيق العبارة إلى تخوم الدهشة، يقف على الحد الفاصل بين العبقرية والجنون، ولا يخلو الأمر من أن يتأرجح بينهما أحيانا.

تزوج ذات مرة بامرأة بالغت كثيرا في الحديث عن جمالها، وهي تردد على مسامعه:

- ليتك تبصر لترى سحر عيني، وتقاطيع وجهي، وصفاء لوني..

فمارس الصمت طويلا واحتسب، حتى ضاق خلقه، ونفد صبره، فصاح بها قائلا:

- أتظنين أني مغفل يا امرأة؟! والله لو كنت كما تقولين لما تركك المبصرون!

ويتحدث عن نوادر زمنه الذي كان لا يرى فيه العريس عروسه إلا ليلة الزفاف، وبعد أن تقع الفأس في الرأس، ويقول: «إذا ركزت الخاطبة في الحديث على أخلاق الفتاة، فاعلم - رحمك الله - أنها لم تجد فيها من الجمال المحسوس ما يستحق أن تتحدث عنه، فعمدت إلى الحديث عن الأخلاق، والأخلاق - كما تعلم - ليست أمرا يمكن الاعتماد فيه على فطنة الخاطبة».

ومن فرط عبقرية الرجل وجنونه أن اتخذه البعض مرشدا ودليلا، فكان يتحلق حوله المريدون، ويمشي في ركابه المعجبون، فلا تراه إلا وسط كوكبة من المشائين، وكأنه أرسطو زمانه، وقد حدث أن سكن بمفرده في بيت في أطراف المدينة، وخشي أن يتسلل إليه اللصوص على حين غفلة، فاشترى أعدادا كبيرة من الدواجن، أطلق سراحها في الفناء، فشكلت له أصواتها أجراس إنذار، تنبهه إذا ما تسلل إلى بيته متسلل.

ذلك ما كان من أمر عبقريته، أما ما يتصل بجنونه فحدث ولا حرج، ومن نوادر جنونه أنه ابتاع حصانا هرما ذات مرة، علق على جيده بوقا، ينبه الناس في الطرقات إلى أن الخيّال أعمى، وعليهم أن يفسحوا له في الطريق، فكنت ترى الناس يهربون يمنة ويسرة أمام ركض خيله، وهو يردد منتشيا أبياتا من شعر عنترة:

حصاني كان دلال المنايا

فخاض غمارها وشرى وباعا

وسيفي كان في الهيجا طبيبا

يداوي رأس من يشكو الصداعا

وحينما حانت ساعة الرحيل يقال إنه ارتدى أبهى الملابس، وسكب على جسده أفخر العطور، وبخر جسده بأنقى أنواع البخور، ومضى مودعا كل من التقى في الطريق، حتى وصل إلى مقبرة أمنا حواء، وهناك توكأ على بابها، وأسلم الروح.


Bottom