Top

يوميات - قصص إلكترونية قصيرة - كتبها محمد صادق دياب

29 مايو, 2009

حرمان

حينما فتح النافذة سمح لنفسه أن يتلصص على ذلك الحفل النسائي الراقص على سطح الجيران، سلبت لبه ذات الرداء الأخضر التي كانت تتمايل كغصن بان بين أترابها الجميلات ، فأعاد رأسه إلى الغرفة كي يستعين بنظارته.. وحينما أطل من جديد كان الهواء لا يزال يعبث بحبل غسيل
……….

حساب

حينما كان صغيرا في المدرسة كان يعشق مادة الحساب، وحينما كبر لم يجد ما يحسبه فاكتفي بطرقعة أصابعه يوميا من الواحد إلى العشرة..
                                     1
                                       2            
                                        3
                                          4 
                                            5
                                              6
                                                7
                                                  8
                                                    9
                                                      10
………

 

 خيال

غمس قطعة من خبزه الحاف في إناء خياله الثري، واستلقى بعدها على الأرض واضعا ساقا على ساق، وقد ترك فسحة بجواره تكفي لامرأة من خيال.. ثم ناااااام.

…….

 

هتاف

جرس الباب يصدر رنينا كمواء القطط، لكنه لم يكن ينتظر أحدا، فلماذا يفتح الباب؟!.. اتجه نحو البرٌاد، وجده خاليا إلا من  قطعة زبدة  دانماركية منتهية الصلاحية، فأشعل فيها عود ثقاب.. واشتعلت النيران في المنزل لكنها لم تجد ما تحرقه، فانزوت في كسوف، وظل هو سعيدا يواصل الهتاف.

……….

 

تسكع

كالعادة راح يتسكع أمام فاترينات المحلات الأنيقة: عطور .. مستحضرات تجميل .. طيور ملونة.. أسماك زينة.. وورود.. استوقفته فاترينة أطلت منها أثواب أعراس ملونة، سمح لخياله أن يملأ أحدها، وتأبط  ذراعا ومضى…
…….

 

دانه

أحس بخطى المصلين في الشارع وقرع نعالهم في الدروب، فنهض من فراشه.. توضأ ، وصلى ، وقطع نصف المسافة إلى مقر عمله حينما تذكر أنه تم الاستغناء عنه من العمل ليلة البارحة، فافترش مقعدا على الرصيف الذي فرغ لتوه عامل النظافة من كنسه وراح يغني:
ـ يا ليل دانه .. ياليل دانا !
………….
طوارئ

في قسم “الطوارئ” بالمستشفى كانت حالته طارئة، لكن إفلاسه مستديم..
موظف الاستقبال يسأله عن وظيفته، فيجيب:
ــ عاطل
وإن كان لديه تأمين .. فيرد:
ـ الأمان بالله
ويستفسر الموظف إن كان سيدفع “كاش” أم “كريديت”.. فينقذ الرجل القدر من حرج الإجابة، ويسقط ميتا في حضن موظف الاستقبال “مجانا”!!

……….

تزوير

قرأت أشهر جماليات الحب على الورق: رومانسيات إحسان عبد  القدوس، غنائيات كامل الشناوي، وغزليات نزار..  وحينما خاضت بعض تجارب الحياة تمنت لو كان هؤلاء أحياء لترفع ضدهم دعوى تزوير في أوراق عاطفية.

……….

شهامة

الشريط المكتوب أسفل الشاشة يشير إلى أنها استشهدت في تمام الساعة الثالثة، وأن رصاصة الإرهاب أصابتها في الفقرة الثالثة، وأن عمرها لم يتجاوز الثالثة.. أما بقية الشاشة فلقد أظهرت هيفاء تغني:
“حوش صاحبك عنٌي
رجب
صاحبك جنني
رجب
قرب طمني
رجب”.
وقد كان يهم بكتابة مقاله اليومي، فاختار له عنوان “شهامة رجب”.
…………

 

ورقة

يعتصر آخر الدموع في فنجان قهوته الصباحية.. يرتدي “شماغه”، عقله، وعقاله. يذهب إلى عمله، يسجل اسمه في دفتر الدوام، يلتقط ورقة صغيرة، ويمضي.. يقع صريعا تحت عجلة إحدى العربات.
 الورثة يؤكدون أنه مات على رأس العمل، وأنه كان في طريقه لأداء مهمة خاصة لسعادة المدير..
السائق يدعي البراءة من دمه، وأن المذكور قد ألقى بنفسه إلى التهلكة.
 ومدير الإدارة يتذكر إخلاص المرحوم في عمله، ويترحَم عليه.
أرملة المرحوم وحدها تدهشها تلك الورقة الصغيرة التي وجدت في جيبه، وقد كتب عليها بخط غير خطه:
3 كيلو كوسة
5 كيلو خيار
4 كيلو برغل
6 كيلو طماطم
1 صبغة شعر
الجدير بالذكر  أن رأس المرحوم كانت صلعاء “على الزيرو”، كما أن زوجته لا تجيد صناعة “التبُولة”!!

……..

 

أحزان

كان مشغولا بالإنصات لصوت ذاته يقول: لكل يوم أحزانه فافرغ حمولة حزنك إن جن ليلك، واترك مساحة في القلب لأحزانك الآتية، فمن العار أن تدع حزنك يفيض على مرأى من العيون.
أطاع نداء روحه ومضى إلى البحر.. قذف بحزنه هناك، فلم يتبق منه شيء على الشاطئ.. لقد كان المسكين مجرد أحزان فقط!

………….

 
ظنون

حينما مررت كانا يجلسان متقاربين على صخرة غمست ساقها في قاع البحر، وقد أدارا ظهريهما للدنيا، فلم يلقيا بالا لنظرات الفضول التي كانت تنسكب عليهما من نوافذ العربات..
وقد قال الذي لم يطق أن يرى اثنين ثالثهما البحر:
ــ لا أظن أنهما زوجان.
وحينما لم يجد من يمد معه حبل الكلام، استغفر الله وهو يردد.
ــ ومع هذا ليس كل الظن إثماً.
 وحينما عدت أدراجي لنفس المكان وجدت الرجل الذي كانت المرأة برفقته وسط ثلة من الناس يطوح بيده في الهواء ويشير صوب البحر وبعض جهات الأرض الثلاث المتبقية، وقد اختفت المرأة كقطعة سكر .
من يدري ربما ابتلعها البحر.. ربما.
……….

سقوط

حمل كراريس طلابه ودفتر التحضير ووجهه المعفر بالطباشير إلى الشارع، عبرته عربات الطلاب الفارهة بينما لا يزال هو في انتظار حافلة النقل العام.. المسافة بين مدرسته الأهلية في شمال المدينة وسكنه في جنوبها عشرة كيلو مترات وعشرات السنين..
وفي اليوم التالي، كتب على السبورة بخطه الجميل:
الدرس: إنشاء.
الموضوع: سقوط نظرية “من جد وجد، ومن زرع حصد”.

 

……….

بلادة

جهاز الهاتف يصدر صوتا غليظا كخوار البقر..
ـ ماذا طبخت اليوم؟
تموت أسلاك الهاتف في يدها.. يهتز خاتم الزواج في أصبعها .. تستعيد رتابة السنين منذ أن اقترنت بمعدة ذلك الرجل.. تنظر إلى صورة خطوبتها المثبتة على الحائط.. تتأمل فستان عرسها.. وفجأة تسقط الصورة شخوصها، يتحول فستان الفرح إلى عشب أخضر، ويتحول الرجل الواقف بجوارها في الصورة إلى ثور يلتهم كل بيادر العشب..
تعيد سماعة الهاتف إلى مكانها.. وتذهب إلى المطبخ لتعد طعام غذاء لرجل تتمنى لو مات جوعا.

………
 رائحة

في محل لبيع العطور سكب على نفسه قطرات من كل العينات وذهب للقائها، وحينما قابلها اشتكت له من فقدان حاسة الشم.. مسكين كان يعرف أنه مجرد رائحة.

……….

باروكة

سألته: أي شيء من مفاتني أكثر سحرا بالنسبة إليك؟
فتأملها من فوق لتحت، ومن تحت لفوق، ثم قال:
ـ شعرك.
فأصابها الدوار، وكادت أن تسقط  على الأرض لولا أن أحاطها بذراعيه، ولم تكن لدى المسكين يد ثالثة كي تمنع سقوط شعرها المستعار.
…..
غزل

قال لها: “أنت حياتي”.
فتأملت سيرة حياته التافهة، وقالت:
ـ “قل خيرا يا حياتي”.

……..
ماسنجر

تعرفت عليه من خلال “الماسنجر” فشدها إليه بحواراته الدافئة، وحينما تزوجا كانت كلما اشتاقت لمثل تلك الحوارات الشيقة تذهب إلى الغرفة الأخرى لتتواصل معه عبر “النت”، فهو رائع إلى تخوم الدهشة حينما يكون صوتا بلا صورة.
……….
إنصاف

جاءت نادلة المقهى تحمل إليه فنجان قهوته، فأجلسها على كرسيه وانحنى أمامها يسألها: كيف تريدين قهوتك أيتها الحسناء؟. ومضى إلى الداخل حاملا بعض أكوابها الفارغة.

 

يوميات
اعتاد أن يكتب يومياته باختصار:
السبت: وجوب تسديد إيجار الشقة.
الأحد : موعد دفع قسط السيارة.
الاثنين: إنذار بقطع التيار الكهربائي.
الثلاثاء: حلول دين البقٌال.
الأربعاء: لزوم دفع الحد الأدني لبطاقة الإئتمان.
الخميس: فصل الحرارة عن الهاتف الثابت.
وفي يوم الجمعة شخص الطبيب حالة الوفاة “انفجار في المرارة”.

………
cv

الاسم: سعيد مسعود أبو السعد العربي.
المؤهلات: شهادة تطعيم ضد مباهج الحياة.
تاريخ الولادة: الأول من نيسان.
الخبرات: على باب كريم.
الهوايات: “ياحسرة!”.
العنوان: شارع مجد العروبة.
الحالة الاجتماعية: أعزب رغم عنوسة بنت الجيران.

………

جنون

حينما تثاءبت ستارة النافذة في تلك الغرفة الأنيقة، تبين الفجر ناحلا خلف الزجاج الشفاف، ولاح الشاطئ مزركشا بالمراكب والنوارس وتباشير الصباح.. كنت أهم بالعودة إلى فراشي كي أكمل حلما متقطعا لولا أن تذكرت قول بورخيس:” بينما ننام هنا ، نكون مستيقظين في مكان آخر ، كل شخص شخصان”، فأنا أسكن بيتا أقرب إلى الجبل منه إلى البحر، نوافذه الصغيرة تطل على اللاشيء، وحينما عدت كي أكمل حلمي لم أجدني في تلك الغرفة الأنيقة ولم أجد الحلم، فالنهار قد انطفأ لفارق التوقيت، ولم تكن المسافة بيني وبين هذا (الأنا) الآخر سوى بضعة أحلام وعشرات السنين..
…………

عمياء !

على غابة من أشجار الزيتون والأرز والسنديان تطل نافذتها، وغصن من شجرة “وزَال” يمد يده إليها بباقة من زهوره الصفراء، وحينما يطل وجهها من النافذة تزقزق عصافير وتحلق فراشات وتغير اتجاهاتها زهور دوَار الشمس..
الطريق إلى النافذة يمر بسلسلة متشابكة من أشجار العنَاب والصنوبر والتوت البري، ونبع ماء يقول العارفون أنه تدفق تحت قدميها حينما كانت طفلة تركض حافية على منحدر الجبل..
تحت النافذة يقهقه طفل وتستريح غيمة وتغني صبية لحبيبها الذي رحل:
“يا بو الزلف يا با … ليش عنٌي تغيب”.
من تحت نافذتها يمر القرويون البسطاء في طريق عودتهم إلى بيوتهم ليغسلوا أتعابهم في بحر عينيها ويمضون، حتى طيور الحب الآيبة صيفا تعبر نافذتها مغردة قبل أن تأوي إلى أعشاشها لتستريح.. وينقر القمر النافذة، فتطلق ضفائر شعرها على مسارات الريح وتبرق النجوم، وشباب القرية يتبارون في الرقص، فتساقط عليهم صباحات من ابتساماتها يقتسمونها بالتساوي، ويتشاطرون الحظوظ.
وحينما أغلقت النافذة وقفت طويلا أمام المرآة فلم تر وجهها.. فتحسست شعرها النهر وجسدها الحرير قبل أن تتذكر أنها عمياء.

………..
بحر

 كنت أقف على الشاطيء ـ ذات ليل بهي ـ أتأمل المراكب الصغيرة العابرة، وقد انطلقت منها ضحكات وموسيقى وأفراح صغيرة، وعاشق مفارق في أحدها حينما مر من جواري كان يطلق عقيرته بجزء من كسرة شعبية:
” كلا  معانق  حبيبه في هنا وســــرور
   وانا معانق خشب وسط البحر بيعوم “.
لوحت له بكفي مواسيا، فشد زمام الغناء قليلا ، ورسم بالمجداف في الهواء مشاعر امتنانه ومضى..
 على مركب آخر لمحت ما يشبه تناثر شعر غجري تداخل في عتمة الليل، فلم تعد عيناي قادرتان على رسم تخوم فاصلة بين ليل وليل، فاكتفيت بنفحة عطر هبت من هناك، وارتضيت نصيبي من الليل، وقد حجبت الظلمة عنٌي ركَاب المركب الثالثة..  لعلي توهمت أنهم كانوا ثلاثة رابعتهم أنثى.

……….
مرتبة

تخرج من الجامعة الأول في دفعته بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وتخرج زميله الأخير في دفعته بتقدير مقبول مع امتياز “محسوبية”، التحق زميله فورا بوظيفة مرموقة، وظل وحده يبحث عن فرصة عمل.. وحينما أعياه البحث افترش “مرتبة” الشرف على بوابة مكتب العمل ونام!

هذا الموضوع كتب في 29 مايو 2009 في الساعة 12:07 ص ومصنف بهذه التصنيفات: كتب للمدون على النت. يمكنك متابعة التعليقات على هذا الموضوع عن طريق ملف الخلاصات RSS 2.0. يمكنك أن تكتب تعليقاً, أو تعقب على الموضوع من موقعك.

التعليقات

تعليق واحد على موضوع “يوميات - قصص إلكترونية قصيرة - كتبها محمد صادق دياب”

  1.   محمد العسيري | يوم 26 يوليو, 2009 | الساعة 12:27 م  

    جادلت نفسي حتى جدلتها وأقنعتها أني لم اقرأ كل ما كُتب هنا
    حتى أستطيع العودة مرات ومرات ..
    وفي كل مرة سأجادل نفسي لعلها تمل مني وتتركني هنا .

    ما أروعك ..

اكتب تعليق





يمكنك أيضاً متابعة التعليقات على هذا الموضوع عن طريق ملف الخلاصات RSS 2.0
Bottom