رسالة إلى المبتعثين
بقلم: الدكتور عبد العزيز خوجة
وزير الثقافة والإعلام
أتفهم تماماً مشاعر الألم التي شعر بها بعضكم بعد الانتقادات التي وُجّهت لبرنامج الابتعاث من طرف بعض الأقلام الصحافية وبعض المثقفين والمختصين.. دون أن أشكك في نوايا الأخوة الكرام الذين ينتقدون من أجل تطوير تجربة الابتعاث.. والاستفادة المثلى من المبتعثين والمبتعاث حال عودتهم لأرض الوطن والحرص عليهم وهم خارج الوطن.. ومعالجة الأخطاء التي ترتكب خلال العمل اليومي من قبل الجهات المختصة.
ولكنني آمل أن تتفهموا – وهو ما ستدركونه فيما بعد – أننا لا نستطيع أن نجمع الناس على رأي واحد، فاختلاف الآراء.. هو ركن خفي لكوكب الأرض والحياة عليه.
أعرف تماماً أنكم تألمتم من قيام بعض المواقع الإلكترونية والمنتديات – والصحف بدرجة أقل – ببث أخبار كاذبة عن المبتعثين والمبتعثات، ومن تلك الأخبار أن مبتعثتان سعوديتان اعتدتا على زميلتهن في جامعة أميركية لارتدائها الحجاب، وقد فوجئت بأن نفي رئيس النادي الطلابي في تلك الجامعة للحادثة لم يحظ بالانتشار الذي لاقته الشائعة المدسوسة! (ومن الأخبار التي لم تلق الرواج الإلكتروني قيام محكمة اسكتلندية بحبس أحد مواطنيها سنتين بسبب نزع حجاب مبتعثة سعودية!).
أعرف – أيضاً – أنكم تألمتم – كذلك – من تصريح أحد المتخصصين الذي قال فيه بأن المبتعثين أصبحوا مدمني مخدرات.. وتصريح آخر يقول بأنكم ستتأثرون بالأفكار الهدامة!.
من أجل ذلك، قررت أن أكتب اليوم لكم، لأنني مستاء كما أنتم مستاؤون، ومتعجب أكثر منكم من الحملة التي يشنها البعض على مشروع الابتعاث بطريقة بعيدة عن الموضوعية، فالتأثر بالأفكار – والتأثير – من طبائع البشر ومتحقق في عصر الفضاء المفتوح وتطور وسائل الاتصال (أما وصف الأفكار بالهدامة من عدمه يخضع للنسبية وموقع الواصف).. أما الحديث المتعسف بأن المبتعثين أصبحوا مدمني مخدرات – أو انتشر الإدمان بينهم – فلا يستحق الرد.
بحكم عملي السابق في السلك الدبلوماسي أستطيع أن أقول: إن وزارتيْ التعليم العالي ووزارة الخارجية تبذلان أقصى الجهود لخدمة أبنائنا المبتعثين وبناتنا المبتعثات ومتابعة الجميع، لذلك.. فإن تصوير المبتعثين والمبتعثات كالمتهمين أو كالمشبوهين – في بعض وسائل الإعلام وبعض المواقع الإلكترونية – غير لائق وغير مقبول خصوصاً وأن الأرقام التي تشير إلى النماذج السلبية في هذه الشريحة الغالية على قلوبنا – والتي أدت إلى إنهاء ابتعاث بعضهم وبعضهن – لا تتعدى الحالات الفردية.. ولا تقارن من حيث النسبة بالنماذج المشرقة و المشرّفة والإيجابية.
عزيزي المبتعث.. عزيزتي المبتعثة
إن تجربة الابتعاث ليست مجرد شهادة علمية، هي تجربة حياتية متكاملة، ولن تحقق هذه التجربة أهدافها المرتجاة، إذا خاضها المبتعث/ المبتعثة من مواقف مسبقة أو انطباعات جاهزة، بمعنى : أنه من الضرورة أن تُخاض تجربة الابتعاث بموقف الطفل الذي وصل للحياة في التو.. مع بعض الفوارق.
فالتفوق العلمي والتميز الإبداعي، لا يتحقق فقط داخل أروقة الجامعة ومعامل المختبرات وقاعات الامتحان، بل إنني أستطيع القول أنه إذا لم ينعكس هذا التفوق في معترك الحياة نفسها.. فلا ضرورة له، أو بشكل أدق: لن يستفاد منه.
إذن، المطلوب، أن نبحث أيضاً، عن التفوق الإنساني، يقال دائماً أن المبتعث هو سفير شعبي لبلاده، وهذا صحيح، لذا .. لو أراد المبتعث القيام بواجبات السفير على الوجه الأمثل، يفترض عليه، أن يضرب نموذجاً واقعياً، في التمسك بهويته الوطنية وثوابته الدينيّة.. توازياً مع الانفتاح على الثقافة المستضيفة والالتزام بقوانينها المرعية، لأن كل تصرف حسن وملتزم بالآداب والقوانين .. هو إشارة إلى منزل المبتعث/المبتعثة وبيئتها ووطنها.. وكل تصرف مشين هو إشارة مماثلة أيضاً.. وعلى كل منا أن يختار الصورة التي يُذكر بها أحباؤه من خلاله .
هذه الهوية وهذه الثوابت، لا تعني التقوقع أو العزلة أو الخوف، بل تؤكد على الحوار، وتلتزم باكتشاف نقاط التقدم وعوامل التخلف، من أجل الاستفادة الشخصية، وقبل كل شيء وبعد كل شيء.. الاستفادة الوطنية.
عزيزي المبتعث.. عزيزتي المبتعثة
لن يتحقق التفوق الإنساني إلا حين تكون “أنت” كما “أنت” دون زيف أو أقنعة، وهذه المهمة ليست سهلة، لأننا أحياناً ننظر إلى أنفسنا دون أن ندري من وراء أقنعة وحجب، لذا فإن المواجهة الأصعب دائماً هي مواجهة النفس، ولا معرفة أقسى من معرفة النفس بعيوبها ونقاط ضعفها.. وحسناتها الحقيقية ونقاط قوتها، وهذا مدخل جيد للتعامل مع تجربة الغربة.. فقد تكون غريباً في وطنك لو لم تعرف نفسك.
أتفهم، أن ينبهر البعض بالآخر لدرجة نسيان هويته، وأتفهم – في المقابل – أن ينبهر بهويته لدرجة أن لا يرى أحداً سواه، ما هو غير طبيعي: أن يبقى المرء أسيراً لانبهاراته ولا يطور ذاته ورؤاه ومهاراته وصولاً إلى الموضوعية في التعاطي مع ثقافته ومع الثقافات الأخرى.
إذن .. ليس الواجب أن نبحث عن الجيد في الثقافة الجديدة ونترك السيء، الواجب هو أن نبحث عن الجيد في ثقافتنا وفي الثقافة الجديدة، وأن نترك السيء من الثقافتين، والإنسان هو قيمة الثقافة العليا، ألم يخلقنا رب العباد سواسية .. وألم يكن ” التعارف ” سبب وجودنا شعوباً وقبائل وفق الآية الكريمة.
عزيزي المبتعث.. عزيزتي المبتعثة
البحث عن الإنسان يكمل البحث عن المعرفة ولا يناقضها.. ألم تكن ” اقرأ ” أول آيات القرآن العظيم.. وهذه الآية الجليلة دعوة صريحة لتقصي العلوم والمعارف.. وإشارة أوضح إلى أن عمارة الأرض تقوم على العلم والإنسان والإيمان، وأعظم الإيمان.. هو إيمان التفكر والتدبر في سنن الله وآياته وخلقه، ولا تفكر أو تدبر بعيداً عن العلم أو تجربة الإنسان..
التفوق العلمي والتفوق الإنساني بحاجة إلى تنظيم الوقت، وتنظيم الوقت، هو ابن الإرادة والصبر.. وليست هناك وصفة سحرية لهذا التنظيم.. اخترع أنت وصفتك السحرية لتستثمر وقتك على النحو الأنسب.. ولن ينجح هذا الاستثمار.. إلا إذا حددت أولاً أهدافك وأولوياتك.. بعد ذلك يأتي دور المثابرة.. وقبل كل شيء وبعد كل شيء.. طلب التوفيق من رب العباد.
عزيزي المبتعث.. عزيزتي المبتعثة
التدرّب على الاختلاف بحد ذاته، تدرّب على الحوار، ومن الضروري أن تختلفوا.. ولكن ليس على المقاعد والرئاسات في المناشط الجامعية أو الأندية الطلابية.. إنما على خدمة بعضكم البعض على الوجه الأمثل.. وتقديم الصورة عن وطننا بالشكل الأكمل.. هذا هو الاختلاف الإيجابي والصحي والمنتج والمفيد.. أما التقاتل على ما لا يفيد ولا ينفع .. لن يفيد ولن ينفع.
عزيزي المبتعث.. عزيزتي المبتعثة
قد يتساءل البعض: هل سنستطيع أن نخدم وطننا الذي نحبه كما نتمنى بعد العودة؟! للإجابة على هذا التساؤل، أقول: وطنكم أيضاً يحبكم.. وينتظركم ويشتاق لكم ويحتاجكم.. لأن المواطن هو اللبنة الأساس والأهم في أي وطن، وأنتم الشباب .. قلب هذا الوطن ونبضه الخفاق، لذا علينا أن ندرك جميعاً أنه ليس مطلوباً منا أن نغيّر كل شيء.. وليس مطلوباً أن نفعل كل شيء لوحدنا.. إخوانكم في الوطن ينتظرون عودتكم بفارغ الصبر للمساهمة في رفعة البلاد ونهضتها.. كلٌ على قدر مقدرته وعلمه.. ومن الطبيعي أن تكون هناك مصاعب وعقبات في الحياة الشخصية أو العملية.. وإذا استسلمتم أنتم الشباب لهذه العقبات والمصاعب.. ماذا نفعل نحن وماذا نقول!.
لا أجد نصيحة أفضل من الحلم والتجربة، فالحياة لا تتهاوى إلا إذا توقفنا عن الحلم، احلموا.. وجرّبوا.. فما العمر إلا حلم وتجربة، والفشل هو بواكير حلم جديد.. وما النجاح إلا تتويج أحلامنا القديمة والدائمة.
أتفهم تماماً ظروف إقبالكم على تجربة جديدة.. ولكن في النهاية.. ليس مطلوباً أن نحاكم الشباب.. بل أن نمدهم بالثقة .. وأنتم أهل لها .. فتمسكوا بالتفاؤل وبالأمل، ولا .. وألف لا .. للقنوط من رحمة الله عز وجل.
ختاماً
قبل أن يبادر خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – بإطلاق مشروعه الرائد للابتعاث – الذي يدرك أهل العقل والحكمة فوائده الجمة لصالح الوطن والمجتمع – كان المجتمع السعودي يشكو من توقف موجات الابتعاث.. وأشارت أكثر من مقالة صحافية ودراسات مختصة لأضرار توقف الابتعاث بل وطالبت به لمواكبة التطور العلمي والتقني والإداري الذي يجري حولنا في أنحاء الأرض.. بالإضافة إلى ضرورة تجديد الكفاءات في القطاعين الخاص والعام.. والاستفادة مما يجنيه المبتعث/ المبتعثة من خبرات علمية ومهنية تصب في خدمة الصالح العام.
وبعد أن أطلق خادم الحرمين الشريفين مشروعه المبارك، فوجئت بأن هذا المشروع الوطني – الذي يخدم كل أبناء وبنات الوطن دون تمييز – بعد مرور قرابة الخمس سنوات يحاول البعض تأويله من خدمة الوطن إلى خدمة تيار.. وبعض آخر يريد سحب هذا المشروع الوطني الملِح من خانة الإجماع الوطني إلى خانة السجال الفكري، ماذا أريد أن أقول لهؤلاء في ظل التمسك بحق النقد.. ورفض التشويه.. والإيمان بالخطأ كجزء من الطبيعة البشرية: كفى.. لقد انكشفتم!.
إلى اللقاء.
* وزير الثقافة والإعلام
عن “إيلاف”
أهد صغيرك كرة ودعه يبني مستقبله
بقلم : محمد صادق دياب
في غمرة البطالة التي تضرب أطنابها، وجدت نفسي أهدي حفيدي الصغير كرة من النوع الذي اختاره الفيفا لكأس العالم، ولم أنس أن أزوده بالحكمة السودانية الشهيرة، التي تقول إن أقصر طريق إلى الثراء والشهرة «أن تدق كفرا، أو تعزف وترا»، أي أن تلعب كرة، أو تعزف على آلة موسيقية، وأوصيته، إن اشتد عوده، بأن يذهب إلى عمه رابح سعدان، أو المعلم حسن شحاتة، أو أي مدرب آخر يمكن أن يقدر مواهبه، فيقول عنه كلمة طيبة تدخله البورصة، وتبعده عن شبح البطالة الذي يتربص بالمتعلمين، متمنيا أن يكون حظه في عالم الكرة أفضل من حظ جده الذي لم يصل في المراتب الكروية - رغم إضاعته ربع قرن من عمره - لأبعد من دكة الاحتياط، ولم يفتني أن أزوده بأسعار أغلى اللاعبين، أمثال: الأرجنتيني «ميسي» الذي يصل إلى 80 مليون يورو، والبرتقالي «رونالدو» 75 مليون يورو، والإسباني «هرنانديز» 65 مليون يورو، والإنجليزي «روني» 53 مليون يورو، والبرازيلي «كاكا» 50 مليون يورو، لتكون حوافز له، فما يحصل عليه أحدهم يساوي دخل الطبيب - لو وجد له عملا - لأكثر من 200 سنة مع البدلات! فعلى ذمة صحيفة «المدينة»، أن شبح البطالة في السعودية امتد إلى حقل الأطباء، وأن 70 من الأطباء البشريين وأطباء الأسنان من خريجي الجامعات الحكومية والخارجية المعترف بها يعانون من البطالة منذ أكثر من عامين، وهذا العدد في مدينة واحدة هي جدة، المدينة التي تضم مئات المستشفيات والمستوصفات، ويعمل بها الآلاف من الأطباء المتعاقدين، حتى إن أحد الأطباء الجدد أخذها من قصيرها، وتحول إلى سائق تاكسي بمرتبة طبيب، ويا حظ الذي يركب معه، فهو يضمن على الأقل وجود الإسعافات الأولية، إن حدث له مكروه أثناء المشوار.
وبدلا من أن ينضم ابنك إلى قائمة العاطلين بعد تخرجه في كلية الطب، دعه يركض خلف الكرة، فقد يحالفه الحظ ويأتيه الرزق عن طريق قدميه، خاصة أن المسافة بين الرأس والقدم غدت وهما، وما أكثر الأقدام التي اعتلت الرؤوس، وتعلقت بها ملايين النفوس.
وصدق من قال: إن «الفيفا» يوشك أن يحكم العالم.
جده .. التاريخ والحياة الاجتماعية
فصول من كتاب جده .. التاريخ والحياة الاجتماعية قريباً فصول من كتاب جده .. التاريخ والحياة الاجتماعية للكاتب محمد صادق دياب اقرأ المزيد
كتب للمدون على النت
سامي إحسان .. صانع النجوم ومحطة إطلاق الأصوات الجديدة طارق...
كتاب / محمد صادق دياب صدر عام 2008 الإهداء: إلى جدتي مريم.. هذه...
قريبا بإمكانكم قراءة كتاب ( امراة وفنجان قهوة) كاملاً على...
من أقوالي
من أقوالي ** في رحلة العمر أنت كراكب القطار الذي لا يعرف في أي محطة سوف يهبط ، ومع هذا عليك أن تدفع ثمن تذكرة كاملة، حتى ولو كنت ” نازل في المحطة الجاية”! اقرأ المزيد
حوارات
العربية - الإثنين 12 ربيع الأول 1430هـ - 09 مارس 2009م جدة الحداثة...
صحيفة المدونة
رسالة إلى المبتعثينبقلم: الدكتور عبد العزيز خوجة وزير الثقافة والإعلام أتفهم تماماً مشاعر الألم التي شعر بها بعضكم بعد الانتقادات التي وُجّهت لبرنامج الابتعاث من طرف بعض الأقلام الصحافية...
«الشاوي»متعهد أغنام القرية الذي يسرح في « المفالي» دون كلل أو مللمرات – حمود الضويحي صحيفة الرياض 9/7/2010 يمثل « الشاوي « وهو راعي أغنام القرية يومياً بدون كلل أوملل والتي تعد بالعشرات بأجر زهيد في نهاية كل شهر، يمثل أهمية بالغة لجميع...
قناة BBC تبث تقريراً مُسيئاً يسخر من عادات المجتمع السعوديصحبفة الرياض - بندر الحمدان المتتبع لوسائل الإعلام الغربية يجد شهية لديهم في تناول أي موضوع حول المملكة ويبدو أن كلمة “السعودية” أصبحت مثار جذب ومادة دسمة ومحط...
وفاة الصحافي السوداني الكبير سيد احمد خليفةشيعت السودان في 21/6/2010 الصحافي الكبير سيد أحمد خليفة الذي وافته المنية في القاهرة، وقد تم نقل جثمانه إلى السودان، وسيد أحمد خليفة رئيس تحرير صحيفة الوطن السودانية من...
أمين معلوف: أشعر بأنني غريب في أي بلد أقمتالحياة اللندنية أمين معلوف: أشعر بأنني غريب في أي بلد أقمت والهوية مشكلتنا جميعاً … السؤال الأصعب: لماذا عجز العرب عن استيعاب العصر؟ باريس - رندة تقي الدين نادراً...
المدونة تستعمل برنامج